وعلم القراءات علم ضخم من علوم العربية، يقوم جانب الدراية فيه بوظائف
كثيرة، من أبرزها الاحتجاج للقراءات المتوائرة والشاذة، وفي طريق هذا الاحتجاج
تُعالج قضايا نحوية ولغوية كثيرة على المستويات الأربع المعروفة: الإعراب
(التراكيب) والصرف والصوتيات(1) والدلالة. بل إن قدراً ضخماً من معرفتنا بلغات
العرب - وهو ما يُعرف الان باللهجات - إنما جاءنا من طريق ما صنَّفه علماء
القراءات في الاحتجاج لوجوه القراءة. كما أن الضوابط والحدود التي وضعها
علماء التجويد للتلاوة والأداء تُعدُّ الأنموذج المثالي لنطق العربية الفصحى ,(2)..
ويقال: إن بعض المستشرقين الذين عُنُوا بالقراءات القرآنية قد نزل القاهرة وجلس
إلى أشهر علماء القراءات آنذاك، وهو الشيخ علي محمد الضباع
(1) بل إن تأمل بعض هذه الظواهر الصوتية في بعض القراءات السبعية يُصحح بعض العاميات
الموجودة الآن، كالذي تراه من قراءة الإدغام في قوله تعالى: {وأختُمْ على ذلكم إصري)
قراءة في «وأخذتم» [سورة آل عمران: 81]، وانظرها في الأصول لابن السراج 270/3،
ونحن في عامية مصر ندغم الذال في التاء في مثل ذلك الموضع. وكذلك ما تسمعه من
شيوع الإمالة في بعض قرى الوجه البحري، في نحو: «إيه ده) تراء في قراءة الكسائي الذي
82/2.
(2) يرى أستاذنا الدكتور كمال بشر أن كل الزيادات التي زيدت على أعمال الأوّلين من علماء
الأصوات، وكل التفصيلات التي ظهرت فيما بعد، وكل التطبيقات العملية لآثار هزلاء.
العلماء إنما يرجع الفضل فيها إلى رجال «تجويد، أو علماء «الأداء القرآني». وهم وحدهم
تقريباً الذين حملوا عبء هذه الدراسات وتولوا رعايتها من بعده، علم اللغة العام -
الأصوات ص 169.
شيخ المقارىء المصرية في الأربعينيات الميلادية، ليتفقه من طرق الأداء والتلاوة .
ويقال: إن هذا المستشرق هو الألماني براجستراسر. وقد رأيت أنا شيئا من ذلك
في مجلس سيدنا الشيخ عامر السيد عثمان رحمه اللّٰه ورضي عنه، حين كان يفد
عليه بعض هؤلاء المستشرقين ليثقفوا منه الأداء الصحيح لحروف القرآن العزيز.
وبعضهم كان يأخذ عنه أصول الرسم العثماني، وكان حجَّة فيه.
ومعطيات علم القراءات هذه تنسلُّ إلينا انسلالاً وعلى استحياء، من خلال
الدرس النحوي واللغوي، حتى لا يكاد يُحسّ بها الطالب. وأنت قد تسأل متخرِّجاً
في الجامعة: دارساً على مستوى السنوات الأربع، أو على مستوى الدراسات
العليا، عن شيءٍ من علم القراءات، فلا تكاد تحظى بطائل، بل إن كثيراً منهم
يسوي بين القراء السَّبعة، الذين سبَّعهم ابن مجاهد، وبين الأحرف السبعة التي أنزل
عليها القرآن العزيز.
فواجبٌ كل الوجوب أن يأخذ هذا العِلم مكاناً منفرداً متميّزاً في الدراسات
العربية، وليكن ذلك في السنة التمهيدية المؤهلة للدراسات العليا. ولتكن
الأستاذية في تدريسه شركة بين أساتذة الدراسات العليا الجامعيين المتفقهين في
علم الصوتيات الحديث، وبين نفرٍ من هؤلاء المشايخ الحفظة، للتلقي منهم
ومشافهتهم ... ولنُسْرع، فإن هذه الطبقة من المشايخ في طريقها للانقراض، ولا
حول ولا قوة إلا بالله العظيم ... فقد مات الشيخ عبد الفتاح القاضي، رحمهم اللّه
اجمعين. وفي حديث عبد اللّٰه بن عمرو بن العاص، رضي اللّٰه عنهما، قال:
«سمعتُ رسول اللّٰه يقول: إن اللّٰه لا يقبضُ العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد،
ولكن يَقبض العلم بقبْض العلماء حتى إذا لم يُبْق عالماً اتَّخذ الناسُ رُوؤساً جُهَّالاً
فسُئلوا فأفْتَوا بغير عِلم فضّلُّوا وأضَلّوا»(1).
(1) أخرجه البخاري في صحيحه 36/1 (باب كيف يُقبضُ العلم. من كتاب العلم).