قوله: ﴿وما يخادعون﴾ قرئ: بفتح الياء وسكون الخاء وفتح الدال مضارع خدع على أن المفاعلة من جانب واحد كقول القاضي: عاقبت اللص. وقد قال أهل اللغة: أخدع وخادع بمعنى واحد والمفاعلة قدر واحد ولأن «فعل» أخص بالواحد من «فاعل» إذ إن «فاعل» أكثر ما تكون من اثنين ويقوي هذا المعنى أن مخادعتهم كانت للنبي ﷺ وللمؤمنين ولم يقع من النبي ﷺ والمؤمنين لهم مخادعة ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وإن يريدوا، و - أن يخدعوك﴾ والخداع كان منهم خاصة ومعنى: «يخادعون الله» أي: أولياء الله وأنبياء الله، والخداع إظهار خلاف ما في النفس. وقرئ: بضم الياء وفتح الخاء وألف بعدها وكسر الدال لمناسبة أول الآية وعلى هذه القراءة إما تكون المفاعلة على بابها من جانبين إذ هم يخادعون أنفسهم بما يمنونها من الأباطيل وتُمَنِّيهم أنفسهم كذلك أيضاً. وإما أن تكون المفاعلة من جانب واحد كما في القراءة الأولى أي: يخادعون أنبياء الله وأولياءه وهم لا يشاركونهم ذلك، وقد جاء بالألف لأنه الأحسن في المطابقة والمشاكلة بين الكلمتين أن تكونا بلفظ واحد. وقد قيل: إن معناه وما يخادعون بتلك المخادعة المذكورة أولاً إلا أنفسهم. إذ وبالها راجع عليهم فوجب أن لا يختلف اللفظ. وقال أبو عمرو: وليس أحد يخدع نفسه وإنما يخادعها فوجب أن يقرأ: ﴿وما يخادعون إلا أنفسهم﴾ إذ لا يخدعون أنفسهم وإنما يخادعون. وقال بعض العلماء: إن قراءة من قرأ بغير ألف أقوى في نفس لأن الخداع «فعل» قد يقع وقد لا يقع والخداع (فعل) وقع بلا شك. فإذا قرأت: «وما يخادعون» أخبرت عن فعل وقع بهم بلا شك وإذا قرأت (وما يخادعون) جاز أن يكون لم تقع بهم المخادعة وأن تكون قد وقعت، فيخدعون أمكن في المعنى وقوله: (يكذبون) قرأ الكوفيون: بفتح الياء وسكون الكاف وكسر الذال مخففة من «كذب» اللازم. وهو من الكذب الذي اتصفوا به كما أخبر الله تعالى عنهم، وحملا على ما قبله من قوله تعالى: ﴿وما هم بمؤمنين﴾ فأخبرهم أنهم كاذبون في قولهم: ﴿آمنا بالله وباليوم الآخر﴾ أي: ما هم بصادقين في قولهم هذا ثم قال: ﴿ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون﴾ أي: بكذبهم، وأيضاً فإن التخفيف محمول على ما بعده في قوله تعالى: ﴿وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم﴾ فهم كاذبون في قولهم للمؤمنين: (آمنا) وفي قولهم لشياطينهم: ﴿إنا معكم﴾ فحسن التخفيف ليكون الكلام على نظام واحد مطابق لما قبله ولما بعده.
وقرأ الباقون: بضم الياء وفتح الكاف وكسر الذال المشددة مضارع كذب المتعدي بالتضعيف من التكذيب لله ورسوله والمفعول محذوف تقديره: «يكذبونه» وأيضاً فيه حمل على قوله: ﴿في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً﴾ والمرض: الشك ومن شك في شيء يقر بصحته ومن لا يقر بالشيء وجحد به ولم يصدقه وكذب به وجحده فهم مُكَذِّبون لا كاذبون وكذلك فإن التكذيب أعم من الكذب وذلك أن كل من كذب صادقاً فقد كذب في فعله وليس كل من كذب في شيء يكون مكذباً لغيره فحمل اللفظ على ما يعم المعنيين أولى من حمله على ما يخص حد المعنيين.
صاحب القول: محمد الصادق قمحاويالمصدر: طلائع البشر في توجيه القراءات العشر، ص ١٨–١٩
أوجه القراءة:
﴿وما يُخادِعون﴾ بضم الياء وفتح الخاء وألف بعدها وكسر الدال: نافع، ابن كثير، أبو عمرو
﴿وما يَخْدَعون﴾ بفتح الياء وسكون الخاء وفتح الدال: الباقون
﴿يَكْذِبون﴾ بفتح الياء وسكون الكاف وتخفيف الذال: عاصم، حمزة، الكسائي، خلف
﴿يُكَذِّبون﴾ بضم الياء وفتح الكاف وتشديد الذال: الباقون