قصة ختم القرآن وانقطاع خبر السماء (٣)
ثمّ دلّني الشيخ الذي حفظتُ عليه القرآن على شيخه، وكان من كبار قرّاء المدينة، قرأ عليه غير واحد مِن أئمة الحرمين، وكان عظيم السمت، وله هيبة، فأتيته فاستأذنته بالقراءة عليه، فأذِن ورحّب، واحتلت فبدأتُ بقراءة أبي عمرو البصريّ، لأنّي كنت أتوق إلى غير ما قرأتُ، وألقى الله في قلب الشيخ محبّتي، فقدّمني على طلّابه، وكانوا يقرؤون في اليوم سبع صفحات، وكنت أقرأ تسعًا أو عشرًا، أو أكثر من ذلك إذا جهرت بالقراءة، وحبّرت الترتيل، ولقد زادني في يوم حتّى قرأت سورة الأنعام في مجلس واحد، وهذا الذي وقع لي مع سورة الأنعام أمرٌ عجيب، لم ينقضِ منه عجبي حتّى الساعة، لأنّي لم أتقصّده، وإنّما كان يقع اتّفاقًا، على أنّ تقصّد قراءة الأنعام في ركعة في التّراويح بدعة عند الحنابلة، ذكره غير واحدٍ منهم، لكنّ التّوافق الذي وقع لي ومع ثلاثة من الأشياخ، توافقٌ يستدعي التأمّل والتدبّر، ثم ختمتها في أربعة أشهر، ولم أجد حِيلةً لتأخير رواية ورش؛ فقرأتها، ثمّ رجوتُ الشيخ أن أجمع إلى رواية قالون قراءةَ ابن كثير فوافق، ثمّ قرأتُ بقية القراءات العشر بترتيبها المشهور، وختمْتُها في مكة أمام الكعبة في أقلّ من أربع سنوات تتخلّلها إجازات، بمعدّل أربعة أشهر لكلّ قراءة، وأخبرني الشيخ أنّي أسرع طالب قرأ عليه منذ أن بدأ بالإقراء في المسجد النبويّ قبل خمسين سنة، وكنتُ أقرأ عليه كلّ يوم بعد المغرب، حتّى الجمعة، لا أتخلّف عن الحضور إلّا نادرًا، ولم يكن يستحثّني شيء كالشّوق.
يقول -ثبَّته الله بالقول الثابت- :
والآن -بحمد الله وفضله ومنّته- أسعى إلى أن أجعل ختمتي للقرآن كلّ سبعٍ، كلّ ختمة برواية أو قراءة، فإنّي والله ما شرعتُ في ختمة إلّا وتشوّقت للأخرى، وما قرأت سورةً إلّا بنفس الشّعور الذي حفظتها به، فآمنت أنّ القرآن لا يَخْلَق عن كثرة الرّدّ، ولا يبلى مِن تَكرار العَرْض، أسأل الله ألّا يصرفنا عن آياته بذنوبنا، وألّا يحرمنا بركته بتقصيرنا.
وبعد: فإني ما كتبت هذه القصّة إلّا لأنّي أعجب والله ممّن تعلو به همّته في تحصيل العلوم، ولا يحفظ القرآن، أو لا يستكمل حفظه، كيف يصبر عنه؟! وكيف يسعى في جمع كلام علماء البشر وحكمائهم، ولا تحدّثه نفسُه أنّ لله العليم الحكيم كلامًا قد أنزله، فيسعى إلى جمعه في صدره، فيستغني به، بل كيف يصبر وقد عرف أن لربّ الأرض والسماء، كتابًا قد نزل إلى الأرض مِن السماء، والأعجب كيف يصبر مَن يعبد اللهَ دهرَه، ويصلّي له يومَه، ويزعم أنّ حبّه قد ملأ عليه قلبَه؛ عن كلامه؟! وإنّي لأحدّث نفسي أن لو علمتُ برسالة من محبوبي في أقصى الأرض لرحلتُ لها، أفلا أحدّثها برحلة لكلام الله، بل والله لو علمتُ أن لله حرفًا لا أعلمه، ولا أصل إليه إلا بأهلي ومالي، لبذلتُهم طيّبةً بهم نفسي، والله يغفر لي كثرة القول وقلّة العمل.
بسم الله الرحمن الرحيم {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير ممّا يجمعون} صدق الله العظيم. أ.هـ
يقول:
كتبتها ليلة ختم القرآن الكريم ٢٩/رمضان/١٤٣٩
في مسجد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم
خلف حجرة جدّتي فاطمة
رضي الله عنها
وعن زوجها
وأبنائها
وذرّيّتهم
إلى يوم
الدّين
هذا رابط مصدرها :
3li3r.wordpress.com/2018/06/15/قصّة-ختم-القرآن…
المصدر: قناة د. عبدالرحمن الشهري
تصدير الفائدة صورة بهوية نفائس
مواد ذات صلة
"عن أبي داود المقرئ قال
قرأت يوماً على شيخي حزبين من القرآن فتوقفت في مواضع منه فلما أكملته قلت له معتذراً لم أطالع هذا الحزب. فقال لي: يا بني لعلك لا تقوم بالقرآن من الليل إنه لا يحفظه من لا يتنفل به ليلاً. قال: فنفعني الله تعالى بقوله".
الإجازة بالإتقان لا بكثرة الختمات
أحد مشايخنا ممن قرأنا عليهم القرآن قبل قرابة عشرين سنة، وأفدنا منهم أكثر من غيرهم، كان يشدِّد علينا جدًّا في القراءة، وربما يمكث الطالب معه سنتين وثلاثة أو أكثر ليجاز في رواية حفص، وكان منهجه أن لا يجيزك حتى تتقن ولو…
علو السند رزق من الله
انظر هذه الترجمة التي ذكرها ابن الجزري: لمحمد بن أحمد بن علي بن عبد الرزاق أبو منصور البغدادي، الزاهد المعروف بالخياط، مؤلف كتاب المهذب في القراءات، أستاذ كبير ثقة شهير، … وكان يمكنه القراءة على الحمامي والسماع من أبي…


