نفائـــس
فائدة علمية

قصة ختم القرآن وانقطاع خبر السماء (٢)

ثمّ بدأ الحزن يتغشّاني حين ختمت سورة المائدة وعلمتُ أنّه لم يبق مِن القرآن سوى ثلاث سور، فكنتُ أحفظ بشوقٍ يشوبه الحزن، كمحبٍّ معانقٍ لمحبوب يخشى فراقه، ثمّ غلب حزني شوقي حين وصلت سورة البقرة؛ فكنتُ أحفظ منها كلّ يوم صفحة واحدة مستبطِئًا ختمَها، ولمّا جاء يوم ختمها، وهو يوم ختمي للقرآن، قبل شهر شعبان بثلاثة أيام، حزنت حزنًا شديدًا، وكان مِن أشدّ أيّامي وقعًا عليّ، استشعرت فيه أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد مات، وأنّ الوحي قد انقطع؛ تذكّرت أمّ أيمن رضي الله عنها لمّا هيّجت أبابكر وعمر رضي الله عنهما على البكاء حين زاراها بعد وفاة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فبكت؛ فقالا لها: “ما يبكيك؟! ما عند الله خيرٌ لرسوله” فقالت: “ما أبكي أن لا أكون أعلم أنّ ما عند الله خيرٌ لرسوله، ولكن أبكي لانقطاع خبر السماء!” ثمّ ختمتُ على الشيخ، والنّاس يهنّئون، وبالبركة يدعون، وإنّي والله لفي شغل مع حزني، لا أدري ما يقولون، ولا بم يتمتمون. يقول -وفّقه الله- : ثمّ أقبلتُ على مراجعته، فكنت أراجع في اليوم خمسة أجزاء، وقد أضاعفها، وابتدأت في يوم اختباري في حفظه بعد الفجر بالفاتحة؛ فما أذّن المؤذّن للظُّهر إلا وأنا أقرأ سورة النّاس، وكان اختباري بعد صلاة العصر، ثمّ علمتُ أنّ أحد الأشياخ يُجِيز مَن يقرأ عليه ختمةً بإسناده إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فذهبت إليه واستأذنته في القراءة عليه، فرحّب بي مع كثرة طلّابه، وكان رجلًا متعبِّدًا، كثير الذّكر والصّلاة والصّيام، فقرأت عليه، وأتيتُه يومًا وليس عنده أحد، فقرأت عليه سورة الأنعام في مجلس واحد، ثمّ علمتُ أنّها مِن السّور التي نزلت جُملةً واحدة؛ فاغتبطت، ولو كنت أعلم هذا حين حفظتها لحفظتها جملة واحدة، وكان ممّن يقرأ معي على الشيخ رجل حسن السّمت والأخلاق، يُخافِت بقراءته على الشيخ، فاستمعت إليه يومًا فإذا به يخطئ ولا يفتح عليه الشيخ، فسألتهما بعد أن فرغا؛ فأخبراني أنّ هذه رواية قالون عن نافع، ثمّ شرح لي الشيخ بإجمال معنى القراءات، فوالذي أنزل الكتاب على عبده ولم يجعل له عوجًا إنّ الشيخ ليكلّمني وإنّي لأشعر بالفرح والشوق يتفجّران في صدري، فأذهبا عنّي شيئًا من حزن انقطاع الوحي، كيف لا؟ وقد عرفتُ أنّ في كلام الله عزّ وجلّ كلمات لم أحفظها بعد، فحفظي للقرآن لم يكتمل، وبتّ تلك الليلة في خير وهناء، أهنّئ نفسي على عودة وحي السّماء. ثمّ علمتُ أن للقراءات طريقتين للأخذ؛ إمّا بجمعها في ختمة، أو بإفراد كلّ قراءة بختمة، فاخترت طريقة الإفراد؛ لما فيها مِن المتعة والشوق وانتظار الأحرف الجديدة، فأكملت قراءة حفص على الشيخ في خمسة أشهر، والطلاب يختمون عنده عادة في ثمانية أشهر، بمعدّل ربع في اليوم، إلّا أنّ الشيخ جزاه الله خيرًا اعتنى بي، وخصّني بأوقات دون الطلاب، ثمّ بدأت في رواية ورش عن نافع، فختمتُها في ثلاثة أشهر، ثمّ رواية قالون عن نافع، وقرأتُ فيها سورة الأنعام في مجلس واحد قبل صلاة جمعة، وختمتها في شهرين، وذلك لأنّي كنت أخرج من المدرسة الثانوية يومي الثلاثاء والأربعاء قبل الظهر، وأنتظر الشيخ عند باب بيته، فأقرأ عليه في الطريق إذا خرج للصلاة في الحرم، وكذا يومي الخميس والجمعة، أصلّي معه، وكنّا نبكّر قبل الجمعة بساعتين، وكان الحرم قريبًا من بيتي وبيته والمدرسة، ثم أخبرني الشيخ أنّه لم يقرأ سوى هذه الروايات الثلاث، فدلّني ذاك الطالب على شيخ يقرئ حفصًا بقصر المنفصل، فأتيته فقبّلتُ رأسه فقبّلَ يدي! فقبّلتُ يده سريعًا، فقبّل رأسي!! ثمّ علمتُ بعد أنّ هذه عادته مع مَن يقبّل يدَه مِن حملة القرآن، واستأذنته بالقراءة عليه فرحّب بي، فقرأتُ عليه، ووجدته عالمًا أصوليًا مفسّرًا، يعمل ما أمكنه بما يقرأ ويسمع من القرآن، إن قرأتُ آيةً في الصدقة والإنفاق تصدّق وأنا أقرأ، أو بعد فراغي، وقرأتُ مرّة: {وفي أنفسكم أفلا تبصرون} فأخرج يده ينظر إليها متفكِّرًا، وكثيرًا ما يبكي وأنا أقرأ، وما زلت أذكر بكاءه في آخر سورة المائدة، وبدأت بعدها وهو يبكي في نفس المجلس بسورة الأنعام حتّى ختمتها، وكأنّ الله أراد أن أقرأها في مجلس واحد، فلم يحضر أحد من الطلاب في ذلك اليوم، وكان يفسّر لي بعض الآيات ويشرح غريبها، فنفعني الله به أيّما نفع، وختمتُ عنده القرآن في خمسة أشهر، ووددتُ والله لو طالت، وكنتُ أجالسه كثيرًا بعدها، وكنتُ أجالسه بعد نزع خاتمي وساعةً أظنّها غالية كانت قد أُهدِيت إليّ؛ هيبةً لزهده، فما كان للدّنيا في مجلسه ذكرٌ ولا حضور، وأتيته يومًا مسلِّمًا، فلمّا انصرفتُ لحقني بعض طلّابه وهو يقول: أبشر، قال الشيخ بعد أن انصرفتَ: “ما رجوتُ إمامةَ الحرم لأحد ما رجوتُها لهذا الرّجل”، وإنّه لا يُكره الفرح بمدح الرّجل الصالح، قد فرح الإمام أحمد بمدح بِشْر بن الحارث.
المصدر: قناة د. عبدالرحمن الشهري

تصدير الفائدة صورة بهوية نفائس

مواد ذات صلة

"عن أبي داود المقرئ قال

قرأت يوماً على شيخي حزبين من القرآن فتوقفت في مواضع منه فلما أكملته قلت له معتذراً لم أطالع هذا الحزب. فقال لي: يا بني لعلك لا تقوم بالقرآن من الليل إنه لا يحفظه من لا يتنفل به ليلاً. قال: فنفعني الله تعالى بقوله".

آداب التلقي والإقراءالحفظ والمراجعة والتثبيت

طريقة مجربة لاستحضار القراءات: الشاطبية والدرة ثم البدور الزاهرة

ومن الطرق النافعة المجربة لاستحضار القراءات أن يتقن المتعلم حفظ الشاطبية في القراءات السبع أو الدرة في القراءات الثلاث المتممة أو كليهما ويحفظ المبنى ويفهم المعنى وبعد ذلك يقرأ في كتاب العلامة عبدالفتاح القاضي (البدور…

الحفظ والمراجعة والتثبيت

كيف أحافظ على ما معي من القراءات؟ جوابٌ من كلام الذهبي

س كيف أحافظ على ما معي من القراءات لأني بدأت أنسى كل شئ؟ يجيب عليك الإمام الحافظ الذهبي ويدلك على أهدى طريق وأقومِه: قال رحمه الله: فلما مات الفاضلي وحزنا عليه، تذاكرنا من بقي من أصحاب السخاوي، فدللنا على الدمياطي هذا…

الحفظ والمراجعة والتثبيتالأسئلة والأجوبة

الجمع بين الحفظ والفهم في مراكز التحفيظ

كتب الدكتور أسامة المراكبي: ما زلت منذ زمن أحلم بيوم يأتي تتحول فيه مراكز تحفيظ القرآن وقراءاته إلى منهج يجمع بين الحفظ والفهم ، بين التلاوة والتفسير ، بين القراءة والتدبر، ليحصل الدارس مع ألفاظ القرآن معانيه السامية…

د. أسامة المراكبي

التعليم والتدرجالحفظ والمراجعة والتثبيت

مراجعة القرآن في رمضان

ومن أشهر طرق مراجعة القرآن الكريم في رمضان: الطريقة الأُفقية. وفيها يبدأ الحافظ ختمته من الفاتحة إلى أن ينتهي إلى الناس. والهمم فيها متفاوتة؛ فمنهم من يُنهي الختمة في يوم، ومنهم من يُنهيها في ثلاثة، ومنهم من يُنهيها في…

الحفظ والمراجعة والتثبيت