هذه قصة رائعة لأحد الطلاب الموفقين كيف وفقه الله لحفظ القرآن برواياته ومدى محبته للقرآن وحرصه عليه جديرة بالنشر والانتفاع بها.
قصّة ختم القرآن، وانقطاع خبر السماء.
يقول أحد الطلّاب – وفّقه الله وغفر له وستر عليه- :
الحمد لله، والصلاة والسّلام على رسول الله، أمّا بعد:
لا أدري كيف أبتدئ في كتابة هذه القصة التي تجول في قلبي منذ مدّة، وهذا التردّد الثاني، فإنّي ما عزمتُ على كتابتها إلّا بعد تردّد، لأنّها خاطرة توجِب عليّ أن أتكلّم عن نفسي، وعن تجربتها في هذا الأمر، والكلام عن النفس بما يُشعِر مدحها قبيح، وإن لم يكن المدح مقصودًا، لكنّي سأكتبها وأحاول أن أتجنّب القبيح، ما استطعت، ثمّ سأنظر أأنشرها أم أجعلها حبيسة مذكّرة الجوال، ولولا ما فيها مِن عبرة ما ألجأتُ نفسي إلى كتابتها، وإلى عناء محاولة تجميل قبحها، فأقول:
بدأت في حفظ القرآن ولمّا أتمّ مِن عمري خمس عشرة سنة، في شهر شعبان، وكانت لي طقوس للحفظ، لا أستطيع الحفظ بدونها، فكنتُ أجلس بعد صلاة العصر في مجلس البيت مغلقًا الباب على نفسي، متّجِهًا للقبلة، لا يكلّمني أحد ولا أكلّمه، فأحفظ في نصف ساعة صفحتين، ثم أراجع وِردي من الحفظ القديم في نصف ساعة أيضًا، وكانت ساعة مباركة، ثم أذهب بعد المغرب إلى حلقة الشيخ في الحرم، فأقرأ عليه ما حفظت، ثم أقرأ عليه ما سأحفظه في غدي، ثمّ أراجع حفظي مع أحد الطلاب؛ أعرض عليه ويعرض عليّ، ثمّ أصلّي العشاء وأرجع إلى البيت.
يقول:
ثمّ بدأ شغفي بالقرآن يزداد شيئًا فشيئًا، فما حفظت جزأين أو ثلاثة حتى بدأت أحفظ الصفحتين اللتين ألزمتُ بهما نفسي كأنّهما أُنزلتا الآن، بل كأنّهما أُنزلتا في شأني، وكنت أستشعر شوق النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لسماع القرآن من جبريل، وأستشعر في اليوم الذي لا أحفظ فيه حُزنَه صلّى الله عليه وسلّم في فترة الوحي -أي انقطاعه-، فكنتُ أجد في نفسي لحفظ المقدار الجديد مِن القرآن لذّة لا تقوم لها لذائذ الدّنيا، ولأجل أن تكتمل اللّذّة في نفسي لم أكن أسمع ولا أقرأ شيئًا من القرآن لم أحفظه بعد، بل كنت أُصِمّ أذني عنه، ولم أكن أَعُدّ ما لم أحفظ مِن القرآن قد نزل بعد، عدا مشهورات الآيات، وإن كنت أتجنّبها كذلك، ما عدا آيات الأذكار، ومع هذا فقد كانت تتفلّت إلى أذني ممّا لم أحفظ كلمات ترنّ فيها رنين الوتر، بل أعذب، سمعتُ مرّة قوله تعالى: {وقِيلِه يا ربّ} في الزّخرف، فكنتُ أتحرّق شوقًا إليها متى أحفظها، وسمعتُ مرّة قوله: {رُبَما يودّ الذين كفروا لو كانوا مسلمين} فلا تسأل عن لهفتي لها، وما زلت أذكر شهقتي حين سمعت قوله: {فعُمِّيت عليكم أَنُلْزِمُكُمُوها} فوالله لقد كنت أتذوّقها تذوّقًا، وكذا إمالة {مجراها} وتسهيل {أأعجميّ} وآيات الوعد المرغّبة، وآيات الوعيد المرهّبة، {إنّ المتقين في جنّات ونهر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر} {كلّما نضجت جلودهم} {يتجرّعه ولا يكاد يسيغه} والأمثلة كثيرة، أمّا شوقي إلى السّور التي لم أصل إليها فلا يعلم به إلا الله، لن أنسى قطّ شوقي إلى سورة النّجم، وسورة ق، وسورة الدّخان، وسورة الشّورى وحروفها المقطّعة، وسورتي غافر والزّمر، وسورتي ص والصافّات، وسورة يس، وسورة الأحزاب، وسورة القصص، وسورة النمل، ولم أملك نفسي وشوقها حين وصلت إلى سورة طه؛ فحفظتها في جلسة واحدة، وحفظت بعدها سورة مريم، وسورة الكهف، وسورة الإسراء، كلّ واحدة منهنّ في يوم، في جلسة واحدة، وسبقتُ بهذه الوثبات منافسي في الحلقة، فكان يحفظ في سورة الأنبياء، وكنت ابتدأت سورة النّحل، وما تذكرت لحظة إخبار الشيخ له بتقدّمي عليه إلّا وتجدّدت فرحة الفوز في قلبي، ثم أقبل عليّ رمضان، فما قرأت فيه سوى نصف القرآن الذي حفظته، وما صلّيت التراويح في الحرم إلا بعد الإسراء؛ حفاظًا على لذّة الحفظ الجديد، وحفظت سورة يوسف في مجلس واحد كذلك، إذ كيف أنتظر إلى الغد ولمّا تكتمل القصّة، ولم أحفظ قطّ قصّةً مِن القرآن في يومين، وهكذا؛ لم أبتدئ في حفظ سورة إلّا بشوق بالغ، ولهفة متجدّدة إلى ما بعدها من السّور.
المصدر: قناة د. عبدالرحمن الشهري