نفائـــس
فائدة علمية

مراعاة قراءة بلد المؤلف عند التحقيق

تنبيه لطيف لمن يتولى تحقيق الكتب ينبغي لمن يتولى تحقيق الكتب أن يراعي القراءة المشهورة السائدة عند أهل بلد المؤلف في زمنه، ولا يحاكمه للقراءة المشهورة عندنا _ قراءة عاصم برواية حفص عنه _ فقد يورد المؤلف الآية مستدلا بها على معنى، ولا يصح الاستدلال بها إلا على القراءة السائدة عنده، بل قد يشير للقراءة الأخرى استطرادا، ويأتي المحقق ويورد القراءتين برسم واحد، ويستشكل كلام المؤلف، أو قد يتركها بدون تنبيه عليها. وهذا الأمر نبه عليه الشيخ أحمد شاكر رحمه الله في تحقيقه لرسالة الإمام الشافعي رحمه الله في تعليقه على لفظة (قُرَان) حيث ضبطها بفتح الراء و تسهيل الهمزة (أي بدون مد) وذكر أنه ضبطها كذلك اتباعا للإمام الشافعي رحمه الله في قراءته وروايته، ثم نقل ما يؤيد ذلك وذكر أن القراءة التي كان يُقرأ بها زمن الإمام الشافعي رحمه الله في بلده (مكة) هي قراءة ابن كثير المكي رحمه الله ثم ختم الشيخ أحمد شاكر رحمه الله هذا التنبيه بقوله ( ولقد كان الأجدر بنا في تصحيح كتاب الرسالة: أن نضبط كل آيات القرآن التي يذكر الشافعي على قراءة ابن كثير، إذ هي قراءة الشافعي كما ترى، ولكني أحجمت عن ذلك إذ كان شاقا علي عسيرا، لأني لم أدرس علم القراءات دراسة وافية، والرواية أمانة يجب فيها التحرز والاحتياط) [الرسالة ص١٠٢،١٠١]في الحاشية ٦. وتبعه في التنبيه على ذلك الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله في كتابه (المدخل إلى آثار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله) ص ٥٥،٥٤ حيث ذكر أن القراءة السائدة في زمن شيخ الإسلام رحمه الله في بلاد الشام ومصر واليمن هي قراءة أبي عمرو بن العلاء البصري رحمه الله، فينبغي عند تحقيق كتبه _ لا سيما ما كان بخطه أو التي يقتضيها السياق _ عدم التصرف في رسم الآيات التي يستشهد بها حتى تكون على وفق رسم المصاحف السائدة في عصرنا، بل تبقى على رسمها الموافق لقراءة من القرآءات المتواترة لأهل ذلك القطر. ثم ضرب الشيخ بكر رحمه الله مثالا على ذلك بموضع في كتاب الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : (وقال تعالى: ﴿ولقد رآه بالأفق المبين﴾ أي: رأى جبريل عليه السلام،﴿وما هو على الغيب بظنين﴾ أي متهم، وفي القراءة الأخرى ﴿بضنين﴾ أي: ببخيل..) علق الشيخ بكر رحمه الله قائلا: (وهنا لا بد من رسم القراءة الأولى بالظاء المشالة، لأنها قراءة أبي عمرو وغيره السائدة في بلاد الشام آنذاك، ورسم القراءة الأخرى تكون بالضاد، وإلا لم يظهر الفرق بين القراءتين) وذكر الشيخ أنه جاء في بعض طبعات الكتاب رسم القراءتين برسم واحد ووردت على الصواب في طبعة ابن قاسم لمجموع الفتاوى (٢٧٤/١١) وطبعة ابن مانع رحمه الله المدرجة ضمن مجموعة التوحيد ص٧٨٧. انتهى مضمون كلامه رحمه الله. قلت: وقع خطأ مطبعي في العزو لمجموع الفتاوى في كتاب الشيخ بكر رحمه الله حيث عزا للمجلد العاشر، وحقيقته في المجلد الحادي عشر. علما أن طبعة مجموع الفتاوى التي صدرت من مجمع الملك فهد رحمه الله حصل فيها الوهم ذاته فأوردت القراءتان برسم واحد، والمفترض إيراد الأولى على قراءة أبي عمرو بالظاء المشالة، فليتنبه لذلك. ومن الأمثلة على ذلك: أن ابن القيم رحمه الله في بدائع الفوائد أورد أمثلة على الطريقة المعهودة في القرآن من إضافة أفعال الإحسان والرحمة إلى الله تعالى، وإضافة أفعال العقوبة والجزاء إلى غير مسمى، ويبنى الفعل للمفعول (أي للمجهول كما هو الدارج في تسميته) قال في سياق ذكر الأمثلة: ( ومنه_ وهو ألطف من هذا وأدق معنى_ قوله: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم ...﴾ إلى آخرها ثم قال﴿وأَحَل لكم ما وراء ذلكم﴾ [بدائع الفوائد ٤٢١/٢] فاستدلال ابن القيم رحمه الله لا يتم إلا على ضبط كلمة (أحل) بفتح الهمزة وبناء الفعل للمعلوم، وهي قراءة الجمهور من السبعة خلافا لحفص وحمزة والكسائي الذين قرؤوها بضم الهمزة وبناء الفعل للمفعول (أي المجهول) كما هي القراءة السائدة لدينا. وقد وردت في طبعة دار عالم الفوائد (الطبعة الأولى) بالقراءة السائدة التي لم يقصدها ابن القيم رحمه الله، ولا أعلم هل تم تصحيح ذلك في الطبعات اللاحقة أو لا؟ هذا تمام التنبيه وفق الله الجميع لمرضاته وجعلنا جميعا مباركين أينما كنا عبدالله بن عبدالرحمن الميمان صباح يوم الأربعاء ١٤٤٠/١١/١٤
المصدر: قناة الفوائد والفرائد العلمية

تصدير الفائدة صورة بهوية نفائس

مواد ذات صلة

حكم الخلط بين القراءات في الصلاة وغيرها

سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن رجل يصلى بقوم، وهو يقرأ بقراءة الشيخ أبي عمرو، فهل إذا قرأ لورش، أو لنافع -باختلاف الروايات- مع حمله قراءته لأبي عمرو يأثم أو تنقص صلاته أو ترد؟ فأجاب: «يجوز أن يقرأ بعض القرآن بحرف أبي عمرو…

مسائل القراءات وتطبيقاتها

المقدَّم أداءً والمبالغة فيه

خاطرة إقرائية: المقدم أداءً هو أحد اصطلاحات القراء، وقد بالغ فيه بعض المتأخرين إلى حد غير مقبول. فلو نظرت مثلًا إلى الشاطبي والداني وابن الجزري لوجدت أنهم قد قدموا بعض الأوجه في قليل من أوجه الخلاف، ولم يشترطا تقديم أحد…

تحريرات القراءاتمسائل القراءات وتطبيقاتها

التكبير في ختام السُّور عند الإمام أحمد

جاء في الآداب الشرعية لابن مفلح ما نصُّه: "[فَصْلٌ رِوَايَةُ التَّكْبِيرِ مَعَ الْقُرْآنِ مِنْ سُورَةِ الضُّحَى إلَى آخِرِ الْقُرْآنِ] وَاسْتَحَبَّ أَحْمَدُ التَّكْبِيرَ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الضُّحَى إلَى أَنْ يَخْتِمَ…

مسائل القراءات وتطبيقاتها

البسملة في أجزاء السور دفعًا للبشاعة

اعلم -رحمني الله وإياك- أنه يجوز الإتيان بالبسملة في أجزاء السور ولو براءة وتتأتى البسملة إن كانت الآية الأولى فيها ذكر الله تعالى أو ضمير يعود على الله تعالى نحو :(الله لا إله إلا هو) ونحو : (إليه يرد علم الساعة) وغير…

مسائل القراءات وتطبيقاتها