بعدها، وكان مَا بَعْدَهَا مِنْ تَمامِها فإنَّهُ لا يُوقَف عَلَيْها) ، وعَبَّر بعضُهُم عَنْهَا بقوله : ,أَلَّا
يُفْصَل بَيْن الْمُتَلازِمات اللُّغوية) ، أوْ (نظريَّة التَّلازم)(١).
الْإِعْرَابُ الثَّاني : أَنْ تكون الأسماءُ السَّبعةُ صِفاتٍ لاسم الجلالة ؛ وعليه يُكْرَه الفَصْل
بين الموصُوفَات الْمُفْرَدة ؛ لِأنَّ الفَصْلَ بين النَّعْت والْمَنْعُوت، والْمَعْطُوف والْمَعْطُوف عليه
فيه قبحُ ؛ لِلتَّلَازُم اللّفْظي والوظيفي ، ويزداد القُبْح في العَطْفِ والْوَصْف بالْمُفْرَدَات دُونَ
الجُمَل لِطُولها ، ومِنْ فُرُوع القَاعِدَة الْكلِّيَّة الْمُتَقَدِّمَةِ الَّتي أَرْشَدَ إليها الإِمَامَان ابنُ سَعْدَان
وابنُ الأَنْبَاريَّ : (لا يَتمُّ الوَقْفُ على المنْعُوت دُونَ النَّعْت)(٢).
الْإِعْرَابُ الثَّالثُ : أَنْ تكون الأَسْمَاءُ السَّبعةُ أَخْبَارًا لِمُبْتَدَآتٍ مَحْذُوفَةٍ ، تقديرُها : هو
الملِك ، هو القدُّوس ، هو السَّلام ... إلخ. وهذا الإِعراب مُتفرِّعُ عَنْ مسألةٍ نحويَّةٍ دقيقةٍ،
وهي : هل يجوز تعدُّد الخبر للمُبتدإٍ الواحد في الأخبار مختلفة اللَّفْظ والمعنى ؟
والخلاصة فيها : أنَّ النَّحْويِّين اخْتَلَفُوا فيها على أَقْوَالٍ ، أَظْهَرُها قَوْلَانِ اثْنَان :
القَوْلُ الأوَّل : ذَهَبَ جُمْهُورُ النُّحَاةِ إِلى جَوَاز تعدُّد الخبر للمُبتدإِ الواحد في الأخبار مختلفة
اللّفْظ والمعنى ؛ وعليه يرون أنَّ هَذِهِ أَخْبَار لا تُفْصَل عن المبتدإٍ، ولا يَصِحُّ التَّقْدير فيها (٣).
القَوْلُ الثَّاني : ذَهَبَ ابنُ عُصْفُورٍ والسُّيوطيُّ إِلَى عدم جَوَاز تعدُّد الخبر للمبتدإ الواحد في
الأخبار مختلفة المعنى ، وقَصْر جَوَاز تعدُّد الخبر على الأخبار في معنىً واحدٍ ، نحو قولهم :
(هذا حُلو حَامِض ، أي : مُز)(؛).
ويَنْبني على رأي ابن عُصْفُورٍ والسُّيُوطِيِّ أنَّها -أي الأخبار عند الجمهور- مِنْ قَبِيل تَعَدُّد
النُّعُوت لِمَنْعُوتٍ واحدٍ ، أو تُعْرَبُ أَخْبارًا لِمُبْتَدآتٍ محذوفةٍ ، تقدير كُلّى واحدٍ منها (هُوَ) ،
وهُو مَحَظُّ الاستدلال لِلْوَقْف ، فتَتَعَدَّد بذلك الجُمَلُ ، وَيَصِحُ الْوَقْفُ على الْأَسْمَاءِ الحُسْنى
باعْتِبَارها نِهَايَات الجُمَل.
وَعَلَى كُلِّ هَذِه الْأَعَارِيبٍ يَحْسُنُ تَذَكُر هَاتين القاعِدَتَين :
(١) يُنْظَرُ : أَثَرُ الْوَقْفِ عَلَى الدَّلَالَةِ التَّرْكِيبِيَّةِ : (٧٧).
(٢) يُنْظَرُ : إِيضَاحُ الوَقْفِ والإبْتِدَاء : (١١٩/١).
(٣) يُنْظَرُ : ظاهِرة تعدُّد الوظيفةِ النَّحْويَة في التَّرْكِيبِ اللُّغَوِيّ : (٢٠).
(٤) يُنْظَرُ: شَرْحُ الْمُقَرّبِ : %٧٣٠/١) ، هَمْعُ الْهَوَامِعِ : ;%٥٣/٢).
مسألةٌ في الوَقْف
الحمدُ لله الَّذِي خَصَّ أُمَّتَنَا بِالْقُرآن ، وتَفَضَّل عَلَيْنَا بِنِعْمَةِ الْبَيَان ، والصَّلاةُ والسَّلامُ
على نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الْهُدَى وَالْإِيمَان ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَالتَّابِعِين بِإِحْسَانٍ ، أَمَّا بعدُ :
فَنُزولًا عند رغبة وَالدِي وسَيِّدِي الجليل الْمُحَقّق أيمن بن رُشْدِي سُويد في الإجابة عن
مسألةٍ في الوَقْف ، والعِلْمُ منكُم -سَيِّدِي الوالد- وَإليكم ، حَرَّرَتُ هذا الجوابَ ،
وَاجْتَهَدتُ فِي اسْتِيفَاءِ بَيَانِهَا قَدْرَ الطَّاقَةِ ، مُلتَمِسًا العَفْوَ وَالرِّضَا ، وَاللهُ وَلِيُّ التَّوْفِيق.
السُّؤَال : هل يَصِحُّ الوَقْف على كُلِّ اسْمٍ مِنْ أسماء اللّٰه الحُسْنى السَّبعة الواردة في قَوْلِهِ
تَعَالى : 3هُوَ اللَّهُ الَّذِى لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ٱلْمَلِكُ ٱلْقُدُّوسُ السَّلَمُ ٱلْمُؤْمِنُ ٱلْمُهَيْمِنُ ٱلْعَزِيزُ الْجَبَّارُ
ٱلْمُتَكَبِّرُ سُبْحَنَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ٣)[الْحَشْرُ: ٢٣]، وهي : !الملِك، القُدُّوس ، السَلام،
المؤْمِن ، المهَيْمن ، العَزيز ، الجبَّار)؟
الجواب : يُحكّم على هذا الوَقْف مِنْ خِلَال جانِبَيْن اثْنَين :
الجانبُ الأوَّل : فتَّشْتُ في كُتُب الوَقْف الْمَطبوعة أو الْمُحَقَّقة - الَّتي لم تُطبع- فَلَم أجد
أحدًا أشار إلى هذه الوقوف ، وَسكوتُهم جميعًا يدلُّ على عدم اعْتِدَادِهِمْ بهذه الوُقُوف ،
لاسيَّما أَنَّ هَذِهِ الْكُتُب - فِي مَجْمُوعِهَا - اعتنتْ بِذِكْرِ وُقُوفِ القُرْآن كاملًا ومناقشتِها، سواءٌ
ما يتَّفق منها مع منهج المصنِّف ، أو ما يُذكّر على سبيل غرائب الوُقُوف وتعسُّفاتها.
الجَانبُ الثَّاني : تَحْتَمِلُ هَذِه الْأَسْمَاءُ السَّبْعَةُ ثَلَاثةَ أَوْجُهِ فِي الْإِعْرَابِ :
الْإِعْرَابُ الأَوَّلُ : أَنْ تَكُون الأَسْمَاءُ السَّبْعَةُ أخْبارًا مُتعَدّدةً لِلضَّمير الْمُبْتَدإٍ (هُوَ) ؛ وَعَلَيْه
فَلَا يجوز الوَقْف والْفَصْل بَيْن أَخْبَار الْمُبْتَدإِ الْوَاحِد في الجملة الواحدة ؛ لِشِدَّة تَعَلُّق الْخَبر
بِالْمُبْتَدإٍ، والعَلَاقَة بينَهُما شَدِيدَةُ التَّلَازُم، وأَوَّل مَنْ أَشَار إِلَى عَدَم الْفَصْل بَيْن الْمُتَلازِمات
اللُّغوية هو ابنُ سَعْدَانَ الكُوفي (١)، ثمّ تَبِعَه تلميذُه ابن الأنْباري(٢)-؛ حيث عَقَدَ بابًا طويلا،
ذَكَرَ فيه : ما لا يَتِمُّ الوَقْف عَلَيْه ، والقَاعِدة الَّتِي تُجْمِلُ كلامَهُمَا : (كُلُّ كلمةٍ تعلَّقتْ بما
(١) يُنْظَرُ : الوَقْفُ والإبْتِدَاءُ : (%١٥٧،١٤٠،١٢٨).
٢)0) يُنْظَرُ : إِيضَاحُ الوَقْفِ والابْتِدَاء : (١١٦/١).
القَاعِدَة الْأُولى : (إِذَا تقارَبَتِ الوُقُوفُ فيُوقَفُ على أَحْسَنِهَا ، ولا يُجمَع بَيْنَها) ، وقد أَوْمَأَ
إِلَيْهَا ابنُ الجزريّ (١) ضِمْنَ التَّنْبيهَات في فَصْلِ الوَقْف والابتداء ؛ حيث نَبَّهَ إِلى أنَّه لا يُغْتَفَر
الوقفُ وَلا يَحسُن في حَال قِصَرِ الجُمَل وَتَقَاربها، كَمَا أَلْمَحَ إليها الْأَشْمُونيُّ (٢).
القَاعِدَة الثَّانية : -أَنَّ التَّعَلُّق اللَّفْظِي يَلْزَمُهُ التَّعَلُّق الْمَعْنَوِي ، وَلا عَكْس) ، وقد أَجَادَ
عَرَضَهَا الحُصَريُّ وَالتَّمْثِيلَ عَلَيْهَا([٣).
وَإِنْ جَازلي أَنْ أُسجِّلَ رأيًا في هذه الْمَسْأَلَة فأقولُ وَمِنَ اللهِ العَوْنُ وَالْمَدَدُ :
يَصْدُق على هذه الوُقُوف أنَّها مِمَّا غَابَ ذِكْرُها في كُتُب الوَقْف ، ولم يُسْعِفْها الإعْرَابُ فِي
صِحَّتِها وَسَلَامَتِها لُغَةً عَلَى رَأَي جُمْهُور النُّحَاة ، وَمِنْ ضَوَابِطِ غَرَائِبِ الْوُقُوفِ(,٤) :
١. كُلُّ وَقْفٍ غَابَ عَنْ أُمَّهات وأُصُول كُتُبِ الوَقْفِ والابْتِدَاء ، وتَفَرَّد به آحادُ
المتأخِّرين فَهُو غَريبٌ.
٢. كُلُّ وَقْفٍ بَعُدَ ذِكْرُه أو إِعْرابهُ أَوْ تَأْويلُهُ فَخَالَفَ مَا اشْتُهِر عَنْد أَهْل الوَقْف أَو اللُّغَة
أو التَّفْسِير فَهُو غَريبٌ.
وَعَلَيْه فَلَا يَظْهر لي وَجْهُ جَوَاز الوَقْف -صِناعَةً- بَيْن أَسْمَاءِ اللّٰه الحُسْنى السَّبْعَة الْوَارِدَةِ
في آيَةِ الْخَشْر (٢٣) - حَتَّى وَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ لُغَةً على رَأَي ابنِ عُصْفُورٍ وَالسُّيُوطِيّ ، بَلْ رُبَّمَا
كَانَ الواقِفُ مُتعلَّلًا بِمَنطقٍ بلاغيِّ ، وهُوَ حُسْنُ التَّفْسِيمِ ، لكِنْ لا أَرَاهُ صحيحًا أيضًا ؛ إذْ
حُسْنُ التَّقْسِيم لا يُقْبَل في الْمُفْرَدات، لَكِن في الازدواجات، مِثْلُ : (فَجَعَل مِنْهُ الزَّوْجَين
= الذَّكَر والْأُنْثَى) ، وكذا في : (كُلًّا نُمِدُّ = هؤلاء وهؤلاء مِنْ عَطَاء ربِّك).
والله أَعْلَم ، والحمْدُ لله أَوَّلًا وَآخِرًا.
وَكَتَبَهُ
عادِلُ بنُ عبدِ الرَّحمن بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ السُّنَيْد
صبيحةَ يوم الأحد ٣ مِنْ شَهْرِ ذِي القَعْدَة لعام ١٤٤٢ه
(١) يُنْظَرُ : النَّشْرُ في الْقِرَاءَاتِ الْعَشْرِ : (٢٣٦/١).
(٢) يُنظَرُ: مَنَارُ الْهُدَى : (١١٩).
-٣- يُنْظَرُ: مَعَالِمُ الإهْتِدَاءِ إِلَى مَعْرِفَةِ الْوَقْفِ وَالإِبْتِدَاءِ : (٥٤).
(٤) يُنْظَرُ: الإِخْتِلَافُ فِي وُقُوفِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ : (٤٢٣،٤١٠).
المصدر: قناة «حلة الكرامة للقراءات»