نفائـــس
فائدة علمية

تواتر تخفيف الهمز وأوجه وقف حمزة

قال الزركشي في "البرهان في علوم القرآن" (1/320) : " أمّا تخفيف الهمزة -وهو الذي يُطلَقُ عليه تخفيفٌ وتليينٌ وتسهيلٌ، أسماءٌ مترادفة- فإنه يشمل أربعةَ أنواع مِن التخفيف، وكلٌّ منها متواترٌ بلا شك " انتهى . وقال ابنُ الجزري في "منجد المقرئين" (ص: 74) : "وأمّا تخفيفُ الهمز، ونحوه مِن النقل والإدغام وترقيق الراءات وتفخيم اللامات: فمتواترٌ قطعًا ، معلومٌ أنّه منزلٌ مِن الأحرفِ السبعة ، ومِن لغات العربِ الذين لا يحسنون غيرَه " انتهى . وأمّا الأوجه الكثيرة في تخفيف الهمز التي يجيزها حمزةُ عند الوقف: فلم تتواتر جميعُها عن النبي عليه الصلاة والسلام في كلّ موضعٍ ، فهي مِن قبيل الاجتهاد الجائز في صفة الأداء: قال ابنُ الجزري في "منجد المقرئين" (ص: 75): " إذا ثبت أنّ شيئًا مِن القراءات مِن قبيل الأداء، لم يكن متواترًا عن النبي -صلى الله عليه وسلم- كتقسيم وقف حمزة وهشام، وأنواع تسهيله ؛ فإنه وإن تواتر تخفيفُ الهمزِ في الوقفِ عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلم يتواتر أنه وقف على موضعٍ خمسين وجهًا ، ولا بعشرين ، ولا بنحو ذلك ، وإنما إنْ صحّ شيءٌ منها: فوجهٌ ، والباقي لا شك أنه مِن قبيل الأداء " انتهى . ولا يعني ذلك أنّ الإمامَ حمزةَ اخترع وجوهًا مِن التخفيف في الهمز عند الوقف لم ترد بها القراءة والرواية، لمجرد جواز ذلك في اللغة ؛ للاتفاق على أنّ القراءة سنّة متّبعة ، كما ورد ذلك عن زيد بن ثابت رضي الله عنه، فيما رواه أبو عُبيد القاسم بن سلّام في "فضائل القرآن" (ص: 361) ، وإنّما المرادُ أنّ هذه الأوجهَ منقولةٌ في الجملة ، ثابتة في عموم القرآن . وأمّا أن يكون جميعُها منقولًا في كلِّ موضعٍ، أو متواترًا في كلِّ كلمةٍ: فلا ، لا سيما أنّ كثيرًا مِن هذه الكلمات ليست موضعًا للوقف الاختياري أصلًا ، وإنما قد يقف عليها القارئُ اضطرارًا ؛ لانقطاع نَفَسِه مثلًا ، أو اختبارًا بأنْ يُوقفه عليه المعلّمُ ، لينظر مدى معرفتِه بكيفية الوقوف الصحيح عليها ، أو انتظارًا فيقف على الكلمة ليعطِف عليها غيرَها عند جمع القراءات ، فلا يتأتّى أنْ يُنقل عن النبيِّ عليه الصلاة والسلام فيه وقفٌ ، آحادًا أو تواترًا ، فضلًا عن أن يُنقل عنه هل حقّق الهمزَ أو غَيَّرَه في هذا الموضع بخصوصه، فضلًا عن نقل تعدّد الأوجه الجائزة في تغيير الهمز. رابعا: هنا تنبيه مهمٌّ جدًّا، بيّنه أهلُ القراءةِ: وهو وجوبُ التفريقِ بين أوجه الرواية الواردة في موضع واحدٍ، ومَن لم يأتِ ببعضِها يكون قد أخلّ ببعضِ وجوهِ القراءة التي يَقرأ بها، وبين أوجه التخيير التي يأتي بها القارئ على سبيل الجواز، بحيث لا يكون بتركِه بعضَها قد أخلّ بالرواية . وأوجهُ وقفِ حمزةَ على الهمز مِن النوع الثاني ، لا الأول: قال ابن الجزري في "النشر" (1/268) مبيِّنًا الفرق بين النوعين : " إنّ هذه الأوجهَ ونحوَها الواردة على سبيل التخيير: إنما المقصودُ بها معرفةُ جوازِ القراءةِ بكلٍّ منها على وجه الإباحةِ ، لا على وجهِ ذِكر الخُلفِ – أي: لا على وجهِ استيعاب الخلاف المروي في الآية – فبأي وجهٍ قُرئ منها: جاز ، ولا احتياج إلى الجمعِ بينها في موضعٍ واحدٍ، إذا قُصد استيعابُ الأوجهِ حالةَ الجمع والإفراد . وكذلك سبيلُ ما جرى مجرى ذلك ، مِن الوقف بالسكون وبالروم والإشمام ، وكالأوجه الثلاثة في التقاء الساكنين وقفًا، إذا كان أحدُهما حرفَ مدٍّ أو لِينٍ . وكذلك كان بعضُ المحقِّقين لا يأخذ منها إلا بالأصحِّ الأقوى ، ويجعل الباقي مأذونًا فيه ، وبعضٌ لا يلتزم شيئًا ، بل يترك القارئَ يقرأ ما شاء منها ؛ إذ كلُّ ذلك جائزٌ مأذونٌ فيه منصوصٌ عليه ، وكان بعضُ مشايخِنا يرى أنْ يُجمَعَ بين هذه الأوجهِ على وجهٍ آخر، فيقرأ بواحدٍ منها في موضعِ ، وبآخرَ في غيرِه ؛ ليجمع الجميعَ المشافهةُ ، وبعضُ أصحابنا يرى الجمعَ بينها وبين أوّلِ موضعٍ وردتْ ، أو في موضعٍ ما على وجهِ الإعلام والتعليم وشمول الرواية . أما مَن يأخذ بجميعِ ذلك في كلِّ موضعٍ فلا يعتمده إلا متكلِّفٌ غيرُ عارف بحقيقة أوجهِ الخلاف، وإنما ساغ الجمعُ بين الأوجهِ في نحو التسهيل في وقفِ حمزةَ ؛ لتدريب القارئ المبتدئ ورياضتِه على الأوجه الغريبةِ ؛ ليجريَ لسانُه ، ويعتادَ التلفظَ بها بلا كُلفةٍ ، فيكون على سبيل التعليم ؛ فلذلك لا يُكلَّفُ العارفُ بجمعِها في كلِّ موضعٍ ، بل هو بحسب ما تقدم " . خامسا: وبالنسبة للشِّق الثاني مِن السؤال، المتعلق بتضعيف بعض العلماء لبعض الأوجه: فذلك لا ينفي تواترَها في الجملة، وصحّةَ نقلِها ؛ فوقوعُ الخلاف في بعضِ الحروفِ، لا يعارض ثبوتَها وتواترَها في نفْس الأمرِ ، وقد ورد انتقادٌ مِن بعضِ علماءِ العربيةِ لبعضِ الحروفِ أو الكلماتِ الثابتةِ في القراءات المتواترة ، ولم يمنع ذلك مِن قَبولِها وإثباتِ تواترِها، والرد على مَن طعن فيها ببيانِ جوازِها لغةً ، وصحةِ نقلِها قرآنًا كما وقع لبعضهم مِن إنكار قراءة حمزة { والأرحامِ } النساء/1 بالخفض :
المصدر: قناة الأسيوطي

تصدير الفائدة صورة بهوية نفائس

مواد ذات صلة

سكت أبي جعفر على الحروف المقطعة

انفرد الإمام أبو جعفر المدني [ت: ١٣٠هـ] من بين القراء العشرة بالسكت على الحروف المقطعة في فواتح السور. يقول الإمام ابن الجزري [ت: ٨٨٣هـ]: (حُرُوف التَّهَجِّي افصِلْ بِسَكتٍ كَحَا أَلِفْ أَلاَ)

قراءة أبي جعفر المدني

أصول القراءاتالروم والإشمام والسكت

جواب الطبري عن سبب غياب الأحرف الستة عن القرآن، وكيفية ذلك

لما بيّن الطبري فيما سبق عدم وجود حرف مقروء على سبع لغات في القرآن، وهو الأمر الذي يعني أن القرآن لا يحوي سوى حرف واحد من الأحرف السبعة؛ أورد اعتراضًا عن علة عدم وجود الأحرف الستة الأخرى خاصة، فهل نُسخت أم نُسيت؟ وما…

التعريف بعلم القراءات

شبهتان في تواتر القراءات السبع وجوابهما

ذكر العلامة حسن العطار في حاشيته على شرح الإمام جلال الدين المحلي لـ(جمع الجوامع) شبهتين في مسألة تواتر القراءات السبع، ثم فنّدهما باختصار محرر، فقال : "وهنا بحثان : الأول : أن الأسانيد إلى الأئمة السبعة وأسانيدهم إلى…

التعريف بعلم القراءات

الأحرف السبعة ليست القراءات السبع

من أضعف الأقوال في تفسير الأحرف السبعة أن المراد بها القراءات السبع. "أول من جمع السبع: أبو بكر بن مجاهد على رأس المئة الثالثة ببغداد، وجعلها سبعًا؛ ليوافق في الأشياخ عددَ الأحرف، ولم يُرِد حصرَ التواتر في سبع هؤلاء…

التعريف بعلم القراءات

توافق القراء في التراويح دليل على حفظ القرآن

أتابع بشغف شديد إبداع القُرَّاء في صلاة التراويح ما بين المسجد الحرام والمسجد النبوي والجامع الأزهر ومساجد المغرب والعراق وأوروبا وبلاد الهند وغيرها في شتى بقاع الكرة الأرضية ويراودني تساؤل واحد = كيف لعاقل يرى هذا…

التعريف بعلم القراءات