• منشور من ذكريات الفيس:
• حتى لا تندم:
إلى المقبل على القرآن، وعلى علم القراءات خصوصًا...
علم القراءات علم جميل، ممتع، بَرَّاق، آخذ بزمام القلوب؛ لوفرة دواعي ذلك من قراء ذوي صوت جميل يُسْمعونك إياه، ومعانٍ كثيرة تُثْرِي الفكر وتروي القلب، كما أن المشتغل به على خير عظيم، يكفيه ترداد أحرف كتاب الله وما يجنيه من حسنات من وراء ذلك، لكن أريد أن أوقفك على بعض الأمور حين تُقبِل على تعلمه حتى لا ينقضي عمرك بلا فائدة:
• أولا: حدد موقفك، وسقف طموحك منه مبكرًا بكل صدق ووضوح بناء على إمكانياتك التي لا يعلمها أحد غيرك:
1- مبتدئ: يحفظ بعض الروايات أو القراءات والمتون الخاصة بها والتي قد لا يتعدى الواحد منها 300 بيت ويختمها على شيخ متقن، ثم ينصرف، إما إلى علم آخر، وإما إلى تعليم هذه القراءات إلى النهاية أو يجمع بين هذا وذاك.
2- متقدم: يحفظ القراءات السبع أو العشر (( الصغرى )) ومتونها من 1000 – 1500 بيت مع بعض المسائل والمقدمات، ثم ينصرف كالسابق.
3- متخصص: يحفظ آلاف الأبيات في القراءات (( الكبرى )) وما حولها من علوم كالعد والرسم والضبط والتحريرات؛ لضبط الخلافات ضبطاً متقناً، ومثل هذا لا ينبغي أن يسأل ماذا آخذ وماذا أتركُ ... فليُحَصِّل كل ما استطاع، إلى جانب ختمات على المشايخ تأخذ الواحدة منها حينًا من الدهر؛ لكثرة الطرق وتشعُّبها.
4- مُحَرِّر: يقف على مدارس التحريرات المختلفة، وكتب الأصول التي تزيد على الستين كتابًا، الواحد منها ما بين مجلد إلى ستة مجلدات ويزيد؛ لتتبع مسائل الخلاف وجمعها، والترجيح بينها، وتنقيحها، وتقريبها قدر الإمكان.
• ثانيًا: إذا وجدت من نفسك التفاتًا إلى علم آخر من العلوم الشرعية، ورغبة جارفة في التخصص فيه فهنا أقول لك: خذ المستوى المتقدم على أقصى تقدير ثم توقف، وانصرف إلى بُغْيَتك الأخرى، وأقبل عليها بكُلِّيتك، ولا تُقْدِم على مستوى المتخصص في القراءات فإما أن:
- لا تطيق تحصيله، ويفوت عليك ما كان ينبغي لك أن تَنْبُغ فيه بعد محاولات كثيرة غير نافعة.
- أو تستطيعه فتحصله بعد وقت وجهد ثم تنشغل عنه بالعلم الآخر فتنسى هذه المحفوظات الكثيرة لترك مراجعتها وتعليمها.
فأنت في هذه الحالة تحتاج إلى علم القراءات من حيث (( المضمون ))، لا من حيث (( نِسْبَة الطُّرُق )) وجمعها وتركيبها، وهذا المضمون توفره لك العشر الصغرى (شاطبية ودرة) وتكفيك فيه خير كفاية (سوى بعض مواضع سهلة الحصر) بل وتخدم تخصصك الآخَر، وتُمَيِّزُك فيه عن أقرانك.
فغير المتخصص يكفيه أن يعلم أن هذا الموضع قرئ بهذه الكيفية في المتواتر لفلان، ولا يلزمه أن يعرف أنه ورد فيه خلاف عنه من طرق أخرى، وهذه الطرق هي كذا وكذا، من كتاب كذا وكذا، وفلان منعه، وفلان أجازه ... وهكذا، فالتخصص في القراءات -حقيقة- لا يصلح إلا لمن أسلم نفسه وعمره إليه عن طِيب نفس، وخلوِّ ذهنٍ، وقلة التفات.
• ما المانع من التطرق إلى الطرق الكبرى لغير المتخصص ؟ وما الإشكال لو حَفِظَ طيبة النشر بدلا من الشاطبية والدرة ؟
إذا كنت تريد الإحاطة بالخلافات الواقعة في القراءات العشر دون ختم القرآن على شيخ بمضمنها فاختر أيها شئت لتحفظه.
أما إن أردت أن تختم القرآن على شيخ جمعًا بهذه القراءات، وبمضمن هذه المتون حال تخصصك في علم آخر فلا تتطرق إلى طيبة النشر والكبرى، بل خذ الشاطبية والدرة على أقصى تقدير، فأنت في ذلك أمام نوعين من مقرئي الكبرى:
1- من يقرئك بظاهر أوجهها فتأخذ السنوات في تعديد الأوجه (ولَنِعْم ما أفنيت فيه هذه السنوات إن حافظْتَ على ما قرأتَ بعد ذلك).
2- وهذا يقرئك بالتحريرات فتأخذ السنوات في حفظ متونها، وتطبيقها، وختم القرآن بها فلا تحصل لك فائدة من حيث المعنى والمضمون.
• واعلم: أن لك طاقة حفظ هي هبة من ربك فاصرفها فيما تعلم أنك محافظ عليه إلى آخر عمرك (تخصصك)، ولا تجعلها فيما تعلم أنك تاركه بعد ذلك لخيرٍ آخر، بل اجعل نصيبك من العلوم الأخرى -حال شغفك بها- الاطلاع والسماع والمُدَارسة.
• واعلم: أن أغلب من تُعْجَبُ بهم، وتتطلع إلى رتبتهم في هذا الشأن هم قراء وليسوا علماء، وليس كل من قرأ بالقراءات عالمًا فيها حقًّا، ووراء العناوين العريضة المبهرة كـ "فلان المجاز بالقراءات الصغرى والكبرى والشاذة" و"مقرئ القراءات الأربعة عشر وو" في حالات كثيرة أسرار ومبهمات في كيفيات تلقيه لهذه القراءات لا يعلمها إلا الله من تفريط ونَصْب وانعدام أمانة، أعيذك بالله أن تلحق بأصحابها.
• أخيرًا: ما أردت أن أُنَفِّرك عن هذا العلم الشريف فكل ما ذكرته لك من مستويات أهله ممكنة قريبة بالمداومة والاستمرار، ولكني أردت لك أن تقف وقفة صدق مع نفسك؛ لكثرة ما رأيت من التخبط والتردد وتضييع الأوقات والأعمار بلا هدف ولا ثمرة.
• والحمد لله رب العالمين
المصدر: قناة رامي جمال