بالنسبة للقراءة بالقراءات في التراويح في رمضان، قد يعترض معترض بأن ذلك يلبس على العامة، ولا فائدة منه لغير الإمام، فنقول:
لا تجعل الافتراض أن الناس يضبطون تلاوتهم ويصححونها من سماع الإمام بضع عشرة مرة في رمضان، فيثبت في أذهانهم من هذه المرات ما لم يثبت من آلاف المرات بالرواية المعتادة لديهم، هذا عذر بارد.
هذا، وللقراءة بالقراءات فوائد جليلة منها:
- إحياء السنة ومتابعة النبي صلى الله عليه وسلم في القراءة بكل ما ورد عنه وتواتر، والتعبد بذلك في الصلاة، وثبت أنه ﷺ كان يقرأ في الصلاة بكل هذا.
- التدبر في كل ما ورد عن الله ما استطاع العباد إلى ذلك سبيلًا، فإن القراءات ليست كلها لهجات، بل فيها كلمات مختلفة وجذور متعددة للّفظ، وكله من عند الله، وقال عنه النبي ﷺ: "كلها شاف كاف"، وسبيل التدبر في القرآن هو التلاوة.
- مراعاة حال المأمومين المتعلمين، الذين يميزون ذلك، فليس كل خطاب في الشرع موجهًا إلى العوام الجهال، ولا حظّ للمتعلم منهم والمثقف.
- رفع الجهالة عن الناس، واطلاعهم على شيء من الاختلاف المتواتر.
- دفع شبهات كثر تداولها حول القراءات، مما يثيره النصارى والملحدون، من أن النصارى لديهم ٤ أناجيل، وينقم المسلمون عليهم ذلك مع أنهم يجدون لديهم ٢٠ قرآنًا لا أربعة كأناجيل النصارى!
ولا يلتبس ذلك إلا على من لم يعلم شيئًا عن حقيقة اختلاف القراءات، وأن اختلاف المصاحف لا يعد مثل اختلاف الأناجيل المحرفة بأي وجه من الوجوه.
- الثابت أن الناس تفتر ويخف تنبهها في الصلاة الطويلة، ولا يقع ذلك بفضل الله لهم إن كانوا يسمعون القراءة بالقراءات المغايرة لما اشتهر عندهم، وأكثر المصلين يجد في ذلك خشوعًا وراحة، وأقول ذلك عن تجربة ومعرفة لا عن ظن وتخرص.
- إعلام الناس بأن اختلاف القراءات واقع في البلاد الإسلامية، حتى لا يتهم الناس بعضهم بعضًا بتحريف القرآن عند مشاهدتهم للمسلمين في المغرب أو المشرق يقرأ الواحد منهم (ملك يوم الدين) أو (مالك يوم الدين)، وذلك كعلمهم وقبولهم التام لاختلاف المذاهب الفقهية، وتقبلهم لمظاهر ذلك وبالذات في عصر العولمة.
- نشر العلم بين من يحتاج الاستدلال على طريقه، وكثير ممن طلب علم القراءات إنما فعل ذلك لقراءة سمعها فأحب أن يتعلمها.
- عمل العالم بما وهبه الله من العلم، فما قيمة العلم بلا عمل؟ ولماذا يحرم العالم من التمتع بما عنده من العلم؟ وكما أن هناك من يطالب بحق العامة، فلا يليق تجاهل حقوق الخاصة، والراغبين في التعبد لله بهذه الأوجه المتواترة المروية.
- إطلاع الناس على حال سلفهم المباركين وعلمائهم الصالحين، وقرائهم المتصدرين، من خلال ذكر سيرة العلماء والقراء من خلال كلمات توجيهية بعد الصلاة، وهذا يرفع الإشكال إن وجد، ويزيل الشبه إن توهمها أحد.
هذا، وإن وجد الإمام أن عموم الناس لا يتفهم ذلك الاختلاف فيجب عليه ألا يوقع المسلمين في فتنة ولا شبهة، فإنه يكون بذلك مسيئًا لا محسنًا، والله الموفق.
المصدر: قناة د. معاذ صفوت