المعنى: أمر بإمالة الألف المتوسطة الواقعة قبل راء متطرفة مكسورة للدوري عن الكسائي ولأبي عمرو، وتقييد الراء بكونها متطرفة؛ لإخراج الراء المتوسطة؛ فلا تمال الألف قبلها نحو: ﴿وَنَمارِقُ﴾، ﴿الْحَوارِيِّينَ﴾، وتُمارِ في: فَلا ﴿تُمارِ فِيهِمْ﴾. فالراء متوسطة في جميع ما ذكر. أما في: ﴿وَنَمارِقُ﴾ والْحَوارِيِّينَ فظاهر. وأما في تُمارِ: فلأن الأصل تماري فحذفت الياء لدخول لا الناهية على الفعل. ومثل ذلك ﴿الْجَوارِ﴾ في ﴿وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ﴾ في الشورى، ﴿وَلَهُ الْجَوارِ﴾ في سورة الرحمن، ﴿الْجَوارِ الْكُنَّسِ﴾ في التكوير.
فالراء فيه متوسطة أيضا؛ لأنه من باب المنقوص ووزنه فواعل؛ فحذفت الياء من آخره للتخفيف في موضع الشورى، ولالتقاء الساكنين في موضعي الرحمن والتكوير.
ومما تجب معرفته: أن الألف لا تمال إلا إذا اتصلت بالراء ولم يفصل بينهما فاصل فإذا فصل بينهما فاصل امتنعت إمالة الألف نحو وَلا طائِرٍ. فإن الهمزة فصلت بين الألف والراء.
ونحو مُضَارٍّ في ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾، فإن أصله مضارر فسكنت الراء الأولى وأدغمت في الثانية، ومثله ﴿وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئًا﴾، كذلك لا تمال الألف قبل الراء المكسورة المتطرفة إلا إذا كانت كسرتها أصلية فإن كانت كسرتها عارضة امتنعت إمالة الألف قبلها نحو ﴿مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ﴾. فإن كسرة الراء فيه عارضة بسبب الإضافة لمناسبة الياء، فإذا وقعت قبل راء متطرفة مفتوحة امتنعت إمالتها نحو ﴿وَسارَ بِأَهْلِهِ﴾، ﴿وَيُولِجُ النَّهارَ﴾. ثم ذكر أمثلة لما يمال فقال ك ﴿أَبْصارِهِمْ﴾، ﴿والدَّارِ﴾ نحو ﴿عُقْبَى الدَّارِ﴾، ﴿كَمَثَلِ الْحِمارِ﴾ ﴿وَانْظُرْ﴾ إِلى ﴿حِمارِكَ﴾، ﴿يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾. وتنويع الأمثلة للدلالة على إمالة الألف قبل الراء المتطرفة المكسورة سواء اتصل بالكلمة التي فيها الراء ضمير الغيبة ك ﴿أَبْصارِهِمْ﴾ أم ضمير الخطاب نحو إِلى ﴿حِمارِكَ﴾. أم تجردت من الضميرين نحو ﴿وَقِنا عَذابَ النَّارِ﴾ ثم ذكر أن الدوري عن الكسائي وأبا عمرو يميلان لفظ ﴿كافِرِينَ﴾ سواء كان منكرا نحو ﴿مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ﴾. أم معرفا باللام نحو ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ لا ﴿يُحِبُّ الْكافِرِينَ﴾. بشرط أن يكون بالياء كما قال الناظم: (بيائه). واحترز بذلك عما كان بالواو نحو: ﴿وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، قُلْ يا ﴿أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾. وعما تجرد من الياء والواو نحو: ﴿أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾، ﴿وَأُخْرى كافِرَةٌ﴾ فلا إمالة في القسمين. ثم أخبر أن الكسائي وشعبة وأبا عمرو وقالون وابن ذكوان بخلف عنه أمالوا ألف كلمة هارٍ في شَفا جُرُفٍ هارٍ في التوبة. ولم يمل قالون إمالة كبرى في القرآن إلا في هذه الكلمة. ثم ذكر أن الدوري عن الكسائي ينفرد بإمالة ألف لفظ ﴿جَبَّارِينَ﴾ وهو في سورة المائدة إِنَّ فِيها ﴿قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ وفي سورة الشعراء ﴿وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾. وبإمالة ألف لفظ ﴿وَالْجارِ﴾ في موضعي النساء ﴿وَالْجارِ﴾ ذِي ﴿الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ﴾ ثم أخبر أن ورشا قلل الألفات في هذا الباب من قوله: (وفي ألفات) إلى هنا أى الألفات الواقعة قبل راء متطرفة مكسورة ولفظ ﴿كافِرِينَ﴾ بالياء معرفا كان أو منكرا، ولفظ هارٍ وجَبَّارِينَ ﴿وَالْجارِ﴾. إلا أنه اختلف عنه في لفظ ﴿جَبَّارِينَ﴾ في موضعيه.
ولفظ ﴿وَالْجارِ﴾ في موضعيه؛ فروي عنه في كل من اللفظين الفتح والتقليل، ثم أخبر أن حمزة اشترك مع ورش في تقليل الألف في لفظ ﴿الْبَوارِ﴾ في ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ﴾ دارَ ﴿الْبَوارِ﴾ في إبراهيم. وفي لفظ ﴿الْقَهَّارُ﴾ حيث وقع في القرآن الكريم.
وأخيرا بين أن أبا عمرو والكسائي يميلان الألف المتوسطة الواقعة بين راءين الثانية منهما متطرفة مكسورة نحو: ﴿إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ﴾، دارُ ﴿الْقَرارِ﴾، ﴿مِنَ الْأَشْرارِ﴾.
ويلزم من إمالة الألف إمالة الراء قبلها وتقييد الراء الثانية بكونها مكسورة لإخراج الراء المفتوحة فلا إمالة في الألف قبلها نحو: ﴿إِنَّ الْأَبْرارَ﴾، ﴿وإِنَّ الْفُجَّارَ﴾، فَلا ﴿تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ﴾. ومعنى: (والتقليل جادل فيصلا) أن ورشا وحمزة يقللان الألف الواقعة بين راءين بشرطها المتقدم. وقوله: (واقتس) فعل أمر ماضية اقتاس بمعنى قاس مثل قرأ واقترأ. (لتنضلا) من النضال وهو الغلبة. والمعنى: قس ما لم أذكره على ما ذكرته لتغلب خصمك بالحجة يقال: ناضلهم فنضلهم إذا رماهم فغلبهم في الرمي.
صاحب القول: عبد الفتاح القاضيالمصدر: الوافي في شرح الشاطبية، ص ١٥١–١٥٣