نفائـــس
الشاطبية · باب الفتح والإمالة وبين اللفظين

شرح الأبيات ٢٩١–٢٩٤

٢٩١وَحَمْزَةُ مِنْهُمْ وَالْكِسَائِيُّ بَعْدَهُأَمَالاَ ذَوَاتِ الْياَءِ حَيْثُ تأَصَّلَا
٢٩٢وَتَثْنِيَةُ الأَسْماءِ تَكْشِفُهَا وَإِنْرَدَدْتَ إِلَيْكَ الْفِعْلَ صَادَفْتَ مَنْهلَا
٢٩٣هَدَى وَاشْتَرَاهُ وَالْهَوَى وَهُدَاهُمُوَفِي أَلِفِ التَّأْنِيثِ فِي الْكُلِّ مَيَّلَا
٢٩٤وَكَيْفَ جَرَتْ فَعْلَى فَفِيهَا وُجُودُهَاوَإِنْ ضُمَّ أَوْ يُفْتَحْ فَعَالَى فَحَصِّلَا
المعنى: المراد بالفتح في هذا الباب: فتح القارئ فمه بالحرف لا فتح الحرف الذي هو الألف؛ إذ الألف لا يقبل الحركة. ويقال له التفخيم أيضا، والإمالة لغة: التعويج، يقال: أملت الرمح ونحوه إذا عوجته عن استقامته. وتنقسم في اصطلاح القراء قسمين: كبرى، وصغرى. فالكبرى: أن تقرب الفتحة من الكسرة والألف من الياء من غير قلب خالص ولا إشباع مفرط وهي الإمالة المحضة، وتسمى الإضجاع، وإذا أطلقت الإمالة انصرفت إليها. والصغرى: هي ما بين الفتح والإمالة الكبرى، وتسمى التقليل وبين بين: أي بين لفظى الفتح والإمالة الكبرى. وقد ذكر الناظم رضي الله عنه أن حمزة والكسائي أمالا الألفات ذوات الياء وهي كل ألف متطرفة أصلية منقلبة عن ياء تحقيقا أي أصلها الياء فأميلت لتدل على أصلها سواء وقعت في فعل نحو: هُدىً ﴿اشْتَرى﴾ سَعى أَتى أَبى رَمى ﴿اسْتَعْلى﴾ يَخْشى يَتَوارى. أم وقعت في اسم نحو: ﴿الْهَوى﴾ ﴿الْمَأْوى﴾ ﴿الْهُدى﴾ مَوْلَى. وسواء رسمت في المصاحف بالياء كالأمثلة السابقة من الأفعال والأسماء. أم رسمت فيها الألف نحو: ﴿عَصانِي فَإِنَّكَ﴾ ﴿وَمَنْ عَصانِي﴾ بإبراهيم، الأقصا في ﴿إِلَى الْمَسْجِدِ﴾ الأقصا في الإسراء. ﴿تَوَلَّاهُ﴾ في ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ﴾ في الحج. أَقْصَا في ﴿وَجاءَ مِنْ﴾ أَقْصَا ﴿الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى﴾ بالقصص ﴿وَجاءَ مِنْ﴾ أَقْصَا ﴿الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى﴾ في يس. سيما في ﴿سِيماهُمْ﴾ فِي ﴿وُجُوهِهِمْ﴾ في الفتح طغا في إنّا لمّا طغا الماء في الحاقة ﴿الدُّنْيا﴾ ﴿الْعُلْيا﴾ واحترزنا بالأصلية عن الزائدة نحو: قائم، نائم. وبالمتطرفة عن المتوسطة نحو: ﴿وَنَمارِقُ﴾، باع، وَسارَ. وبالمنقلبة عن ياء عن المنقلبة عن واو نحو: نَجا، عَفا، ﴿الصَّفا﴾، شَفا. والمنقلبة عن تنوين نحو: ذِكْرًا، عِوَجًا، أَمْتًا. عند الوقف عليها. واحترزنا بها أيضا عن ألف التثنية كألف ﴿إِلَّا أَنْ﴾ يَخافا، وألف اثْنا ﴿عَشَرَ شَهْرًا﴾. واحترزنا بقولنا تحقيقا عما اختلف في أصله نحو: ﴿الْحَياةِ﴾، ﴿وَمَناةَ﴾؛ لأن الخلاف وقع في أصل ألفها فوقع الشك في سبب الإمالة فتركت وعدل إلى الأصل وهو الفتح ولرسم ألفها واوا في المصاحف فلا إمالة في كل ما احترز عنه. وقول الناظم: (وتثنية الأسماء تكشفها) أي تكشف لك ذوات الياء منها من ذوات الواو، أي تكشف لك أصلها، وقد اشتمل على ضابط تستطيع بواسطته أن تعرف أصل الألف المتطرفة وتميز بين ما أصله الياء من هذه الألفات وما أصله الواو منها وهو أن تثني الاسم الذي فيه الألف. وتنسب الفعل الذي فيه الألف إلى نفسك أو مخاطبك، فإن ظهرت الألف في التثنية ياء أو في الفعل ياء، عرفت أن أصل الألف الياء، فتميل الألف حينئذ، وإن ظهرت الواو فيهما عرفت أن أصل الألف فيهما الواو فلا تميلها. تقول في تثنية اليائي من هذه الأسماء: ﴿الْهَوى﴾ ﴿الْهُدى﴾ الفتى ﴿الْمَوْلى﴾ ﴿الْمَأْوى﴾، الهويان الهديان الفتيان الموليان المأويان. وتقول في تثنية الواوي من الأسماء وهي محصورة في هذه الأسماء: عَصاهُ شَفا سَنا ﴿إِنَّ الصَّفا﴾، أَبا أَحَدٍ. عصوان شفوان سنوان صفوان أبوان. وتقول في نسبة الفعل اليائي لنفسك أو لغيرك من هذه الأفعال: هدى، اشترى، رمى، سعى، سقى، أتى، أبى: هديت، اشتريت، رميت، سعيت، سقيت، أتيت، أبيت، بضم التاء أو فتحها في الجميع. وتقول في الواوى مثل: عفا، زكى، نجا، خلا، دعا، دنا، بدا، علا: عفوت، زكوت، نجوت، خلوت، دعوت، علوت، دنوت، بدوت، بضم التاء أو فتحها في الكل. ويدل أيضا على أن أصل هذه الألف في الأفعال المذكورة الواو لفظ المضارع تقول: يعفو، يزكو، ينجو، يخلو، يدعو، يعلو، يدنو، يبدو. ويدل الاشتقاق أيضا على أصل الألف في الأسماء والأفعال فالمصدر يدل على ذلك فتقول: الرمي، السعي، السقي، العفو، الدنو، الخلو. ثم ذكر الناظم أن حمزة والكسائي ميلا كل ألفات التأنيث. ثم بين مواضع ألفات التأنيث فقال: (وكيف جرت فعلى ففيها وجودها). المعنى: أن ألفات التأنيث تتحقق في كل ما كان على وزن فعلى كيف جرت، أي سواء كانت مضمومة الفاء نحو: ﴿الْقُصْوى﴾ ﴿الدُّنْيا﴾ ﴿الْأُنْثى﴾ طُوبى ﴿الْقُرْبى﴾ ﴿الْبُشْرى﴾ ﴿الْأُخْرى﴾ السُّواى ﴿الْكُبْرى﴾. أم كانت مفتوحتها نحو: ﴿الْمَوْتى﴾ ﴿وَالسَّلْوى﴾ ﴿التَّقْوى﴾ ﴿النَّجْوى﴾، دعوَا مَرْضى شَتَّى أَسْرى سُكارى. أم مكسورتها نحو: إِحْدَى ضِيزى ﴿سِيماهُمْ﴾ ﴿الشِّعْرى﴾ ﴿الذِّكْرى﴾ وألحق بهذا الباب: مُوسى يُحْيِي عِيسَى؛ لأنها وإن كانت أعجمية إلا أنه لما فشا استعمالها وكثر دورها في اللسان العربي ألحقت بمثيلاتها في لغة العرب على أنها مرسومة في المصاحف بالياء فتمال لهذا أيضا وقوله (وإن ضم أو يفتح فعالى) معناه: أن ألف التأنيث تتحقق أيضا في كل ما كان على وزن فعالى مضموم الفاء نحو: سُكارى كُسالى فُرادى أَسْرى. أو مفتوح الفاء نحو: الْيَتامى الْأَيامى النَّصارى الْحَوايا فيكون لألف التأنيث خمسة أوزان: ثلاثة لفعلى واثنان لفعالى وفاء (فحصلا) ليست رمزا لحمزة لعدم اختصاص حمزة به. فقوله: (وفي ألف التأنيث في الكل ميّلا). و(المنهل) المورد أى وجدت مطلوبك، شبه الطالب بالظمآن الذي يجد منهل الماء، وقوله (منهم) أي من القراء. وقوله (بعده) أي أن الكسائي بعده حمزة؛ لأنه أخذ عنه.
صاحب القول: عبد الفتاح القاضيالمصدر: الوافي في شرح الشاطبية، ص ١٣٩–١٤٢

تصدير الفائدة صورة بهوية نفائس