أخبر أن بعض أهل الأداء من المغاربة كمكي بن أبي طالب، وفارس بن أحمد والحافظ أبي عمرو الداني، والإمام الشاطبي، وبعض المتأخرين؛ نقلوا عن حمزة أنه كان يسهل الهمز عند الوقف عليه وفق المصاحف العثمانية التي كتبت في عصر الصحابة؛ أي يخفف الهمز عند الوقف على مقتضى مرسوم هذه المصاحف فقوله: (ففي اليا يلي والواو والحذف رسمه) بيان لكيفية اتباع رسم المصاحف.
والمعنى: أن حمزة كان يتبع رسم المصحف العثماني في الياء والواو والحذف. وذلك أن الهمزة تارة تكتب صورتها ياء في المصاحف، وتارة تكتب صورتها واوا، وتارة تحذف فلا تكتب لها صورة، فما كانت صورته ياء وقف عليه بالياء، وما كانت صورته واوا: وقف عليه بالواو، وما لم تكن له صورة: حذف أي وقف عليه بالحذف، وإنما ذكر هذه الأقسام الثلاثة ولم يذكر الألف مع أنّ الهمزة كثيرا ما تصور بها؛ لأن تخفيف الهمزة التي تصور ألفا لا يخرج عن الرسم العثماني؛ إذ أنها إما أن تبدل ألفا نحو اقْرَأْ، ﴿إِنْ يَشَأْ﴾.
وإما أن تسهل بين بين نحو سَأَلَ، تَأَذَّنَ. وعلى كلتا الحالين يكون تخفيفها موافقا للرسم العثماني. وليس معنى هذا المذهب أن كل كلمة صورت همزتها بالواو يصح الوقف عليها بالواو الخالصة، ولا أن كل كلمة جعلت صورتها ياء يوقف عليها بالياء المحضة، ولا أن كل كلمة حذفت صورة همزتها يصح الوقف عليها بحذف الهمزة فإن جواز الوقف على كلمة بالواو، وعلى أخرى بالياء، وعلى ثالثة بالحذف؛ موقوف على السماع وصحة النقل وثبوت الرواية، فإن القراءة سنة متبعة يتلقاها الآخر عن الأول، فلا يصح الوقف على مثل ﴿نِساؤُكُمْ﴾، ﴿وَأَبْناؤُكُمْ﴾، ﴿أَوْلِياؤُهُمُ﴾. بالواو الخالصة وإن كانت صورة الهمزة واوا فيما ذكر لعدم صحة نقله وعدم ثبوت روايته، فلا تصح به القراءة، ولا تحل به التلاوة، ولا يسوغ الوقف على مثل ﴿خائِفِينَ﴾، ﴿الْمَلائِكَةِ﴾، ﴿مِنْ نِسائِهِمْ﴾. بالياء المحضة. وإن صورت الهمزة فيه ياء. لأنه لم ينقل عن أحد من أهل الأداء الوقف على هذه الكلمات بالياء، ولا يسوغ الوقف على مثل يراءون النّاس، إذ جاءوكم. بحذف الهمزة اعتمادا على حذف صورتها في المصحف فإن ذلك لم يصح سندا عن الأئمة. وقد حصر علماء القراءات الكلمات التي رسمت همزتها في المصاحف بالواو، وثبتت الرواية الصحيحة بجواز الوقف عليها بالواو، وحصروا الكلمات التي رسمت همزتها ياء وصح النقل بجواز الوقف عليها بالياء، وضبطوا الكلمات التي حذفت صورة همزتها وثبت النقل بصحة الوقف عليها بحذف الهمزة، فلا يسوغ للقارئ أن يعدو الكلمات التي نصوا عليها وجمعوها إلى غيرها من الكلمات التي لم يصح سندها، ولم تثبت روايتها. وسأجمع لك هذه الكلمات إن شاء الله تعالى، على أن جمهور أهل الأداء من العراقيين والمشارقة وكثير من المغاربة لم ينقلوا التخفيف الرسمي عن حمزة، ولم يعرجوا عليه ولم يشيروا إليه، وإنما جنحوا إلى التخفيف القياسي. وهاك الكلمات التي جعلت صورة همزتها واوا ووقعت الهمزة فيها بعد الألف: فيكم شركؤا بالأنعام، ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ﴾ بالشورى فى أموالنا ما نشؤا في هود، فقال الضّعفؤا في إبراهيم، شفعؤا وكانوا في الروم، لهو البلؤا المبين في الصافات، وما دعؤا الكافرين في غافر، بلؤا مّبين بالدخان، إنّا برءؤا في الممتحنة، جزؤا الظالمين، إنّما جزؤا، ﴿الْأَوْلَيانِ﴾ بالمائدة، وجزؤا سيّئة بالشورى، جزؤا الظالمين بالحشر، فالهمزة في هذه المواضع رسمت بالواو اتفاقا وزادوا بعدها الفا، ولم يرسموا الألف قبلها تخفيفا.
واختلف في: ﴿جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ بطه، ﴿جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ بالزمر، وكذا ﴿جَزاءً الْحُسْنى﴾ بالنسبة لهشام، علمؤا بنى إسرائيل بالشعراء، إنّما يخشى الله من عباده العلمؤا بفاطر، أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ في الأنعام والشعراء.
وأما الكلمات التي رسمت همزتها بالواو ولم تقع بعد ألف فهي: يَبْدَؤُا حيث وقعت هذه الكلمة، تَفْتَؤُا ﴿تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾، يَتَفَيَّؤُا ﴿ظِلالُهُ﴾ في النحل، أَتَوَكَّؤُا ﴿عَلَيْها﴾، لا تَظْمَؤُا، كلاهما بطه. وَيَدْرَؤُا ﴿عَنْهَا الْعَذابَ﴾ بالنور، قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ بالفرقان، فقال الملأ في الموضع الأول بالمؤمنين، يا أيها الملأ إنّى يا أيها الملأ أفتونى، يا أيها الملأ أيّكم. والثلاثة في النمل، أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي ﴿الْحِلْيَةِ﴾ في الزخرف، نَبَؤُا في إبراهيم والتغابن وص وفيها موضعان نبؤا الخصم، نبؤا عظيم. غير أن نبؤا الخصم كتب في بعض المصاحف بغير واو وكتب في معظمها بالواو. واختلف المصاحف في يُنَبَّؤُا ﴿الْإِنْسانُ﴾ في القيامة، فرسمت الهمزة في بعضها بالواو وفي بعضها بدونها.
وأما الكلمات التي رسمت همزتها بالياء وقبلها ألف فهي: من تلقائ نفسى بيونس وإيتائ ذى القربى بالنحل، ومن آناء الليل بطه، من ورآئ حجاب بالشورى. واختلفت المصاحف في: بلقائ ربّهم وو لقائ الآخرة كلاهما بالروم فرسمت الهمزة في موضعين بالياء في بعض المصاحف. وبدونها في البعض الآخر. وكذلك صورت الهمزة ياء في: ولقد جاءك من نبإى المرسلين، بالأنعام في جميع المصاحف.
ثم ذكر الناظم أن الأخفش كان يبدل ذا الضم أي الهمز المضموم إذا وقع بعد الكسر ياء خالصة نحو: ﴿سَنُقْرِئُكَ﴾، الْخاطِؤُنَ، فَمالِؤُنَ. وقوله (وعنه الواو في عكسه) أي عن الأخفش الإبدال واوا في عكس ذلك، وهو أن تكون الهمزة مكسورة بعد ضم فيبدلها واوا خالصة نحو ﴿سَأَلُوا﴾ وحينئذ يكون الأخفش قد خالف في قسمين من أقسام الهمز المتحرك بعد متحرك؛ لأن تخفيف مثل ﴿سَنُقْرِئُكَ﴾ يكون بتسهيل الهمزة بينها وبين الواو. وتخفيف مثل ﴿سَأَلُوا﴾ يكون بتسهيل الهمزة بينها وبين الياء، وعلى هذا تصير مواضع الإبدال عند الأخفش أربعة: هذان القسمان، والقسمان المذكوران في قوله:
(ويسمع بعد الكسر والضم همزه إلخ) ثم قال: ومن حكى في المضمومة بعد الكسر نحو: ﴿سَنُقْرِئُكَ﴾ أنها تسهل كالياء، أي تسهل بينها وبين الحرف المجانس لحركة ما قبلها وهو الياء، وفي المكسورة بعد الضم نحو ﴿سَأَلُوا﴾ أنها تسهل كالواو أي تجعل بينها وبين الحرف المجانس لحركة ما قبلها وهو الواو- من حكى ذلك فيها أعضل- أي جاء بمعضلة أي بأمر شاق ومشكل لا يمكن تحققه ولا النطق به، ولأنه لو سهلت الأولى بينها وبين الياء لكانت مكسورة، ولو سهلت الثانية بينها وبين الواو لكانت مضمومة وكل منهما خطأ في اللغة، ولذلك لم يأخذ بهذا المحكي أحد من أئمة القراءة.
صاحب القول: عبد الفتاح القاضيالمصدر: الوافي في شرح الشاطبية، ص ١١٨–١٢١