نفائـــس
الشاطبية · باب الهمزتين من كلمتين

شرح البيتين ٢٠٦ و٢٠٧

٢٠٦وَالاُخْرَى كَمَدٍّ عِنْدَ وَرْشٍ وَقُنْبُلٍوَقَدْ قِيلَ مَحْضُ المَدِّ عَنْهَا تَبَدَّلَا
٢٠٧وَفي هؤُلاَ إِنْ وَالْبِغَا إِنْ لِوَرْشِهِمْبِيَاءٍ خَفِيفِ الْكَسْرِ بَعْضُهُمْ تَلَا
المعنى: يعني: والهمزة الأخيرة أي الثانية من الهمزتين المتفقتين في الحركة بأنواعهما الثلاثة كائنة كالمد؛ أي تسهل بين بين، أي بينهما وبين الحرف المجانس لحركتها، فتسهل المفتوحة بينها وبين الألف فتكون مثل الألف، وتسهل المكسورة بينها وبين الياء فتكون مثل الياء الساكنة، وتسهل المضمومة بينها وبين الواو فتكون مثل الواو الساكنة، وهذا معنى قوله: (كمد) لأنها حال التسهيل تصير مثل حرف المد، وهذا الحكم- وهو تسهيل الهمزة الثانية- عن ورش وقنبل، وروي عنهما فيها إبدالها حرف مدّ مجانسا لحركة الهمزة الأولى فتبدل ألفا إن كانت الأولى مفتوحة، وياء إن كانت مكسورة، وواوا إن كانت مضمومة، وهذا معنى قوله: (وقد قيل محض المد عنها تبدلا) أي: تبدل المد المحض عن الهمزة أي جعل بدلا عنها، فيكون لورش وقنبل في الهمزة الثانية وجهان: التسهيل، والإبدال؛ فحينئذ لا يكون لهما في الأولى إلا التحقيق، وإذا أبدلت الثانية لورش وقنبل؛ فالحرف الذي بعدها إما أن يكون متحركا أو ساكنا، فإن كان متحركا نحو: جاءَ أَحَدٌ، فِي ﴿السَّماءِ إِلهٌ﴾، ﴿أَوْلِياءُ أُولئِكَ﴾. فاقتصر على حرف المد ولا تزد عليه شيئا ولا تعتبره من باب البدل نظرا لعروض حرف المد بسبب إبداله من الهمزة، وإن كان الحرف الذي بعدها ساكنا نحو ﴿وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ﴾، فَقَدْ جاءَ ﴿أَشْراطُها﴾ ﴿مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ﴾، فمدّ حرف المد مدا مشبعا لأجل الساكنين. فإن تحرك هذا الحرف الساكن لعارض؛ فلك في حرف المد وجهان: المد الطويل نظرا للأصل، والقصر؛ نظرا للحركة العارضة، وقد وقع ذلك في ثلاثة مواضع: ﴿عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ﴾ في النور ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ ﴿إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ﴾ كلاهما في الأحزاب؛ فالنون في هذه المواضع كانت ساكنة ثم تحركت بسبب نقل حركة الهمزة إليها في ﴿الْبِغاءِ إِنْ﴾ ﴿لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ﴾ وهذا بالنسبة لورش خاصة، وللتخلص من التقاء الساكنين في ﴿مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ وهذا لورش وقنبل، فيكون لورش في ﴿الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ﴾ ولِلنَّبِيِّ ﴿إِنْ أَرادَ﴾ ثلاثة أوجه: التسهيل بين بين، والبدال مع المد والقصر، وسيجيء له في ﴿الْبِغاءِ إِنْ﴾ وجه رابع، ويكون لقنبل فيهما وجهان: التسهيل، والإبدال مع المد المشبع، ويكون لهما في ﴿مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ ثلاثة أوجه: التسهيل، والإبدال مع المد، والقصر، فلا فرق بين ورش وقنبل في هذه الكلمة، وليس في القرآن همزتان متفقتان في الحركة واقعتان في كلمتين وبعد الثانية ساكن تحرك للتخلص من التقاء الساكنين إلا في هذه الكلمة وإذا وقع بعد الهمزة الثانية ألف وذلك في فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ بالحجر وَلَقَدْ جاءَ آلَ ﴿فِرْعَوْنَ﴾ بالقمر؛ فعلى وجه إبدالها يوجد ألفان، الألف المبدلة منها، والألف التي بعدها وهما ساكنان، فحينئذ يجوز لنا وجهان: الأول: حذف إحدى الألفين تخلصا من اجتماع الساكنين، الثاني: إثبات الألفين مع زيادة ألف ثالثة للفصل بين الساكنين. فعلى الوجه الأول: وهو حذف إحدى الألفين يتعين القصر. وعلى الوجه الثاني: يتعين الإشباع فيكون لورش في جاءَ آلَ في الموضعين خمسة أوجه: تسهيل الهمزة الثانية مع القصر، والتوسط، والمد في الألف التي بعدها؛ لأنها من باب مد البدل المغير بالتسهيل، ثم إبدال الهمزة الثانية ألفا مع القصر والإشباع. وأما قنبل فله فيهما ثلاثة أوجه: التسهيل، ثم الإبدال مع القصر والإشباع. وفي قوله: (وفي هؤلا إن والبغا إن، إلخ) بيان لوجه ثالث عن ورش خاصة في هذين الموضعين وهما ﴿هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في البقرة: ﴿عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ﴾ في النور وهو أن بعض أهل الأداء عن ورش قرأ في هذين الموضعين بياء مكسورة. فيكون لورش في ﴿هؤُلاءِ إِنْ﴾ ثلاثة أوجه: تسهيل الهمزة الثانية بين بين، ثم إبدالها حرف مد مشبعا، ثم إبدالها ياء مكسورة. ويكون له في ﴿الْبِغاءِ إِنْ﴾ أربعة أوجه: تسهيل الثانية بين بين، ثم إبدالها حرف مد مع القصر والإشباع. ثم إبدالها ياء مكسورة، ولقنبل في كل منهما وجهان: التسهيل، ثم الإبدال مع الإشباع. ويجب أن يعلم أن من مذهبه التغيير في الهمزة الأولى؛ فإنه يحقق في الثانية، وأن من مذهبه التغيير في الثانية؛ فإنه يحقق الأولى فليس هناك من يغير في الهمزتين معا، وباقي القراء يحققون في الهمزتين معا.
صاحب القول: عبد الفتاح القاضيالمصدر: الوافي في شرح الشاطبية، ص ٩٢–٩٤

تصدير الفائدة صورة بهوية نفائس