عقد الناظم هذا الباب لبيان مذاهب القراء السبعة في الهمزتين من كلمتين والمراد بهما همزتا القطع المتلاصقتان وصلا الواقعتان في كلمتين، بأن تكون الأولى آخر كلمة والأخرى أول الكلمة التي تليها، فخرج بقيد القطع الهمزتان في نحو: فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ، ﴿الْماءَ اهْتَزَّتْ﴾، ما شاءَ اللَّهُ، فإن الهمزة الثانية في هذه الأمثلة همزة وصل، وخرج بقيد التلاصق: الهمزتان اللتان بينهما حاجز نحو: السُّواى ﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾، وخرج بقيد الوصل: ما إذا وقف على الهمزة الأولى وابتدئ بالثانية فلا يكون فيها ولا في الثانية إلا التحقيق باتفاق القراء، والهمزتان في هذا الباب قسمان: متفقتان في الحركة ومختلفتان فيها. والمتفقتان في الحركة ثلاثة أنواع: مفتوحتان، ومكسورتان، ومضمومتان، وبدأ الناظم بذكر مذاهب القراء السبعة في المتفقتين فأخبر أن: (فتى العلا)
وهو أبو عمرو البصري أسقط، أي: حذف في قراءته الهمزة الأولى من المتفقتين في الحركة، سواء كانتا مفتوحتين نحو: جاءَ ﴿أَمْرُنا﴾، ﴿السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ﴾، شاءَ ﴿أَنْشَرَهُ﴾. أم مكسورتين نحو: ﴿مِنَ السَّماءِ إِنْ﴾، ﴿هؤُلاءِ إِنْ﴾، ﴿وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ أم مضمومتين.
وقد جاءتا في قوله تعالى في سورة الأحقاف: ﴿وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ﴾ فِي ﴿ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ وليس لهما نظير في القرآن الكريم، وما ذكره الناظم من أن المحذوفة هي الأولى هو قول جمهور أهل الأداء، وقال بعضهم: المحذوفة هي الثانية.
وثمرة هذا الخلاف تظهر في حكم المد، فعلى القول الأول يكون المد من قبيل المنفصل فيجوز فيه القصر والتوسط، وعلى القول الثاني يكون المد من قبيل المتصل فلا يجوز فيه إلا التوسط. وقوله: (أنواع اتفاق) أي: هذه الأمثلة فيها الأنواع الثلاثة للهمزتين المتفقتين من كلمتين. ثم ذكر الناظم: أن قالون والبزي وافقا أبا عمرو على إسقاط الهمزة الأولى أو الثانية على الخلاف السابق في المفتوحتين، وحينئذ يجوز لهما ما يجوز لأبي عمرو من القصر والتوسط في حرف المد الواقع قبل الهمزة، وفي كون المد من قبيل المنفصل أو من قبيل المتصل.
وأما غير المفتوحتين من المكسورتين والمضمومتين؛ فإنهما يسهلان الأولى من كل منهما بين بين فتسهل المكسورة بينها وبين الياء، وتسهل المضمومة بينها وبين الواو، ويجوز في حرف المد الواقع قبل الهمزة المسهلة التوسط والقصر سواء كانت مكسورة أم مضمومة، ثم أفاد أن قالون والبزي أبدلا الهمزة الأولى واوا ثم أدغما الواو الساكنة قبلها فيها، وذلك في ﴿بِالسُّوءِ إِلَّا﴾ ما ﴿رَحِمَ رَبِّي﴾ في يوسف، فيكون النطق بواو مشددة مكسورة وبعدها همزة محققة. ثم قال الناظم وفي هذا اللفظ ﴿بِالسُّوءِ إِلَّا﴾ أي في تخفيف همزة خلاف عنهما، فيكون لهما فيه وجهان: الوجه السابق: وهو الإبدال مع الإدغام. والوجه الثاني: هو تسهيل الأولى على أصل مذهبهما. وقوله: (ليس مقفلا) معناه: ليس الخلاف عن قالون والبزي في تخفيف هذا اللفظ مغلقا مسدودا بل هو ذائع مستفيض في كتب القراءات.
صاحب القول: عبد الفتاح القاضيالمصدر: الوافي في شرح الشاطبية، ص ٩١–٩٢