نفائـــس
الشاطبية · باب فرش الحروف- سورة البقرة

شرح الأبيات ٥٢٦–٥٣٥

٥٢٦وَفي الْوَصْلِ لِلْبَزِّيِّ شَدِّدْ تَيَمَّمُواوَتَاءَ تَوَفَّى فِي النِّسَا عَنْهُ مُجْمِلَا
٥٢٧وَفي آلِ عِمْرَانٍ لَهُ لاَ تَفَرَّقُواوَالاَنْعَامُ فِيهاَ فَتَفَرَّقَ مُثِّلَا
٥٢٨وَعِنْدَ الْعُقُودِ التَّاءُ فِي لاَ تَعَاَوَنُواوَيَرْوِى ثَلاَثاَ فِي تَلَقَّفُ مُثَّلَا
٥٢٩تَنَزَّلُ عَنْهُ أَرْبَعٌ وَتَنَاصَرُونَ نَارًا تَلَظَّى إِذْ تَلَقَّوْنَ ثُقِّلَا
٥٣٠تَكَلَّمُ مَعْ حَرْفَيْ تَوَلَّوْا بِهُودِهاَوَفي نُورِهَا وَالإِمْتِحاَنِ وَبَعْدَلَا
٥٣١فِي الاَنْفَالِ أَيْضًا ثُمَّ فِيهَا تَنَازَعُواتَبَرَّجْنَ في الأَحْزَابِ مَعْ أَنْ تَبَدَّلَا
٥٣٢وَفي التَّوْبَةِ الْغَرَّاءِ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ عَنْهُ وَجَمْعُ السَّاكِنَيْنِ هُنَا انْجَلَى
٥٣٣تَمَيَّزُ يَرْوِي ثُمَّ حَرْفَ تَخَيَّرُونَ عَنْهُ تَلَهَّى قَبْلَهُ الْهَاءَ وَصَّلَا
٥٣٤وَفي الْحُجُراتِ التَّاءُ فِي لِتَعَارَفُواوَبَعْدَ وَلاَ حَرْفَانِ مِنْ قَبْلِهِ جَلَا
٥٣٥وَكُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الَّذِي مَعْ تَفَكَّهُونَ عَنْهُ عَلَى وَجْهَيْنِ فَافْهَمْ مُحَصِّلاَ
قرأ البزيّ بتشديد التاء وصلا في الفعل المضارع في أحد وثلاثين موضعا باتفاق، وموضعين باختلاف وهي: وَلا ﴿تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ في البقرة، ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ﴾ في النساء، وَلا ﴿تَفَرَّقُوا﴾ في آل عمران، ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ في الأنعام، وَلا ﴿تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ﴾ في العقود- المائدة-، ﴿فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ﴾ بالأعراف والشعراء، تَلْقَفْ ما ﴿صَنَعُوا﴾ بطه، ما تنزل الملائكة بالحجر، [تصوير] عَلى ﴿مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ تَنَزَّلُ﴾ عَلى ﴿كُلِّ أَفَّاكٍ﴾ كلاهما بالشعراء، ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ﴾ في القدر، ما لَكُمْ لا ﴿تَناصَرُونَ﴾ في الصافات، نارًا تَلَظَّى في الليل، ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾ في النور، لا ﴿تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ في هود، ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ﴾، ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ﴾ ما ﴿أُرْسِلْتُ بِهِ﴾ في هود، ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ﴾ ما حُمِّلَ في النور، ﴿وَظاهَرُوا﴾ عَلى ﴿إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾ في الممتحنة، وَلا ﴿تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾، وَلا ﴿تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾ في الأنفال وَلا ﴿تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ﴾ الْأُولى، وَلا ﴿أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ﴾ كلاهما في الأحزاب، ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ﴾ بِنا في التوبة، ﴿تَكادُ تَمَيَّزُ﴾ بالملك، ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ﴾ لَما ﴿تَخَيَّرُونَ﴾ بالقلم، ﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ في عبس، ﴿وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا﴾ في الحجرات، وفيها وَلا ﴿تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ﴾، وَلا ﴿تَجَسَّسُوا﴾ وهذان الحرفان واقعان في السورة قبل ﴿لِتَعارَفُوا﴾ وكل منهما وقع بعد كلمة وَلا. وهذه آخر الكلمات المعدودة الإحدى والثلاثين المشددة للبزيّ باتفاق الناقلين عنه. وأما الموضعان المختلف عنه فيهما فهما: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ﴾ بآل عمران، ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ في الواقعة. ولكن الذي حققه أهل العلم أن تشديد التاء في هذين الموضعين عن البزي ليس من طريق الحرز ولا التيسير، فينبغي الاقتصار له فيهما على التخفيف كالجماعة. وقرأ غير البزيّ بالتخفيف في جميع ما تقدم والتخفيف حذف إحدى التاءين، فتصير تاء واحدة خفيفة ولا خلاف بين القراء أن الابتداء لا يكون إلا بالتخفيف لا فرق في ذلك بين البزيّ وغيره أى بتاء واحدة. تنبيهات: الأول: أراد الناظم من قوله: (شدد تيمّموا) هذا اللفظ بعينه؛ فخرج ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ فلا تشديد فيه لأحد. الثاني: خص لفظ (توفّي) في النساء في ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ﴾ فخرج نحو ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ﴾ فلا تشديد فيه. الثالث: قيد وَلا ﴿تَفَرَّقُوا﴾ بآل عمران فخرج وَلا ﴿تَتَفَرَّقُوا﴾ بالشورى؛ لأن فيه تاءين وخرج وَما ﴿تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ﴾ وَما ﴿تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ﴾ لأن كلّا منهما فعل ماض والتشديد خاص بالمضارع. الرابع: قيد ﴿تَعاوَنُوا﴾ في العقود بوقوعها بعد لا فخرج ﴿وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى﴾ لأنه فعل أمر ولم يقع بعد لا فليس فيه تشديد. الخامس: حصر لفظ ﴿تَوَلَّوْا﴾ في خمسة مواضع: في الأنفال موضع، وفي هود موضعان، وفي النور موضع، وفي الممتحنة موضع. وقد سبق بيان هذه المواضع كلها، فكل ما خرج عن هذه المواضع لا يشدد نحو: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ﴾ فِي شِقاقٍ في البقرة، ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ﴾ بالأنفال، ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ بها أيضا، ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ بالمائدة، ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ بالتوبة ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ﴾ عَلى سَواءٍ بالأنبياء. فهذه الأفعال كلها لا تشديد فيها؛ لأنها كلها أفعال ماضية. وأما ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ﴾ لا ﴿يُحِبُّ الْكافِرِينَ﴾ بآل عمران فيحتمل أن يكون ماضيا فلا يشدد، وأن يكون مضارعا فيشدد، ولكنه لم يشدد ولم يذكر في هذه التاءات لعدم القطع بكونه مضارعا. والخلاصة: أن التشديد خاص بالمواضع الخمسة للقطع بكونه أفعالا مضارعة، وأما غيرها فلا تشديد فيه؛ إما لكونه مقطوعا بأنه ماض، وإما لكونه مشكوكا في كونه مضارعا أو ماضيا. السادس: حصر الناظم (تنزل) في أربعة مواضع فخرج نحو: وَما ﴿تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ فليس فيه تشديد. السابع: يتضح من أمثلة التاء أن الحرف الذي قبلها ثلاثة أقسام: متحرك نحو: ﴿تَكادُ تَمَيَّزُ﴾، ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ﴾، ساكن صحيح نحو: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾، ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾، حرف مد نحو: لا ﴿تَناصَرُونَ﴾، وَلا ﴿تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ﴾. فإن كان قبلها متحرك أو ساكن صحيح؛ فالأمر ظاهر، وإن كان قبلها حرف مد؛ فإنه يتعين إثباته ومده مدّا مشبعا بمقدار ثلاث ألفات؛ أي: ست حركات، مثل: دَابَّةٍ، ﴿الطَّامَّةُ﴾. ومن حرف المد: ﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾، فيجب إثبات صلة الهاء ومدها مدا مشبعا، وهذا معنى قوله (قبله الهاء وصّلا).
صاحب القول: عبد الفتاح القاضيالمصدر: الوافي في شرح الشاطبية، ص ٢٢٤–٢٢٦

تصدير الفائدة صورة بهوية نفائس