إذا اجتمع ساكنان في كلمتين، وكان الساكن الأول في آخر الكلمة الأولى والثاني في الكلمة الثانية، وكان أول الثانية همزة وصل تضم عند الابتداء، وكان الحرف الثالث في الكلمة مضموما ضمة لازمة فقد اختلف القراء في الساكن الأول مع اجماعهم على تحريكه للتخلص من الساكنين فمنهم من ضمه لأجل ضم الحرف الثالث في الكلمة الثانية فيكون ضمه للاتباع كراهة الانتقال من كسر إلى ضم ولا اعتداد بالحرف الساكن بينهما؛ لأن الحرف الساكن حاجز غير حصين. وقد أشار الناظم إلى هذه العلة بقوله (لثالث) وهناك علة ثانية وهي أن ضم هذا الساكن يدل على حركة همزة الوصل التي حذفت في الوصل وهي الضمة، ومنهم من كسره، والذين حركوا هذا الساكن بالضم هم: نافع وابن كثير وابن عامر والكسائي، والذين حركوه بالكسر هم المشار إليهم بالفاء والنون والحاء وهم حمزة وعاصم وأبو عمرو وعلة تحريكهم هذا الساكن بالكسر أنه الأصل في التخلص من التقاء الساكنين، وذلك نحو الأمثلة التي ذكرها الناظم: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ﴾ في الإسراء، ﴿أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا﴾ في المزمل، ﴿وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ في يوسف، ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ في نوح، وَما كانَ ﴿عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ (٢٠) انْظُرْ في الإسراء، ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ في الأنعام وغيرها.
فالساكن الأول في المثال اللام، وفي الثاني الواو، وفي الثالث التاء، وفي الرابع النون، وفي الخامس التنوين، وفي السادس الدال.
والساكن الثاني في المثال الأول، وفي الثاني النون، وفي الثالث الخاء، وفي الرابع العين، وفي الخامس النون، وفي السادس السين. وأول الكلمة الثانية في كل مثال من الأمثلة المذكورة همزة وصل تضم عند الابتداء والحرف الثالث في الكلمة الثانية من هذه الأمثلة مضموم ضمّا لازما. وإنما عد الحرف المضموم ثالث حروف الكلمة لأحد اعتبارين: الأول أن قبله الحرف الساكن، وقبل الحرف الساكن همزة الوصل؛ فهمزة الوصل أول حروف الكلمة، وثانيها الحرف الساكن، وثالثها الحرف المضموم، وهذا بالنظر للابتداء بالكلمة، وأيضا بالنظر لرسم الكلمة؛ فإن كلمة اخرج مثلا مرسومة في الخط أربعة أحرف: الأول: همزة الوصل، والثاني: الخاء، والثالث: الحرف المضموم وهو الراء. والرابع: الجيم. الاعتبار الثاني: أن هذا الحرف المضموم عدّ ثالثا باعتبار الساكن الأول إذا الحكم متعلق به، فالساكن الأول كالكلام في ﴿قُلِ ادْعُوا﴾ هو الحرف الأول، والدال هو الحرف الثاني، والعين وهو المضموم هو الحرف الثالث، وأما همزة الوصل: فحذفت في الدرج، وهذا منظور فيه لوصل الكلمة الأولى بالثانية.
ويؤخذ من الضابط الذي ذكرناه: أن الساكن الأول لا يضم إلا بشرطين: الأول: أن يكون الساكن الثاني في كلمة ثانية مبدوءة بهمزة وصل تضم عند الابتداء بها.
الثاني: أن يكون الحرف الثالث من الكلمة الثانية مضموما ضمّا لازما ومحترز الشرط الأول أن الساكن الثاني إذا كان في كلمة مبدوءة بهمزة وصل لا تضم في الابتداء فلا يضم الساكن الأول لأحد من القراء بل يكسر باتفاق، حتى وإن كان الحرف الثالث في هذه الكلمة مضموما ضمّا لازما نحو: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾، ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾، ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾، كَذَّبَتْ عادٌ ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾، ﴿بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾؛ فهمزة الوصل في هذه الأمثلة ونحوها تفتح في الابتداء كما هو معلوم.
ومحترز الشرط الثاني: أن الحرف الثالث في الكلمة الثانية إذا كانت ضمته عارضة فلا يضم الساكن الأول بل يكسر لجميع القراء نحو: ﴿إِنِ امْرُؤٌ﴾، فإن ضمة الراء عارضة؛ لأنها تابعة لضم الهمزة، ولذلك لو فتحت الهمزة نحو: إنّ امرأ؛ لفتحت الراء، ولو كسرت الهمزة لكسرت الراء، نحو ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ﴾ فنظرا لكون ضمة الراء في هذه الكلمة عارضة لا يبتدأ بهمزة الوصل إلا مكسورة سواء ضمت الراء أو فتحت أو كسرت، ومن ذلك ﴿أَنِ امْشُوا﴾، ﴿ثُمَّ اقْضُوا﴾. فإن ضمة الشين والضاد عارضة؛ لأن الأصل: امشيوا، اقضيوا. بكسر الشين والضاد كما هو مقرر في فن الصرف. ويبتدأ بهمزة الوصل مكسورة فيهما: نظرا لعروض ضمة الحرف الثالث في الكلمتين، ومن الحركة العارضة حركة الإعراب نحو: ﴿بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى﴾، ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾. والتمثيل بعزير لا يصح إلا على قراءة من ينونه وهو عاصم والكسائي فكلاهما يكسر التنوين. فأما عاصم: فعلى أصل مذهبه في كسر أول الساكنين مطلقا. وأما الكسائي: فلعروض الضمة؛ لأنها ضمة إعراب تتحقق وتنتفي حسب العوامل، فتتحقق في حالة الرفع وتنتفي في حالة النصب وتحل الفتحة محلها، وفي حالة الجر تحل الكسرة محلها. ومن الضمة العارضة: ضمة القاف في ﴿أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ لأن الأصل اتقيوا بكسر القاف وضم الياء فاستثقلت الضمة على الياء فنقلت إلى القاف ثم حذفت الياء.
وقال بعضهم: إن القاف المضمومة ليست ثالثة حروف الكلمة بل هي رابعة حروفها؛ لأن قبلها التاء مشددة، فهي حرفان وقبلها همزة الوصل، فيكون قبل القاف ثلاثة أحرف: همزة الوصل، والتاء المشددة بحرفين، فتكون القاف رابعة الأحرف، فجميع ما تقدم من محترز الشرطين يكسر فيه أول الساكنين لكل القراء.
وقال بعض المحققين: إن الشرط الأول كاف وحده ولا حاجة إلى الثاني؛ لأنه إذا تحقق الشرط الأول خرج مثل: ﴿إِنِ الْحُكْمُ﴾، ﴿قُلِ الرُّوحُ﴾، ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾. وما شاكل ذلك؛ لفتح همزة الوصل في هذه الأمثلة وأشباهها. وخرج ﴿إِنِ امْرُؤٌ﴾، ﴿أَنِ امْشُوا﴾، ﴿ثُمَّ اقْضُوا﴾، ﴿بِغُلامٍ اسْمُهُ﴾، ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ﴾، ﴿أَنِ اتَّقُوا﴾؛ لكسر همزة الوصل فيها وأشباهها. وحينئذ لا يضم الساكن الأول في شيء مما ذكر؛ بل يكسر للجميع، وممن جنح إلى الاكتفاء بالشرط الأول: الإمام مكي بن أبي طالب حيث قال: اختلفوا في الساكنين إذا اجتمعا من كلمتين وكانت الألف- أي همزة الوصل- التي تدخل على الساكن الثاني في الابتداء تبتدأ بالضم .. انتهى.
واختصر العلامة الجعبرى ما قاله الإمام مكي فقال: اختلفوا في حركة الأول من الساكنين إذا كان بينهما همزة وصل مضمومة. ثم قال: وهذا يغني عن لزوم الضم .. انتهى. ثم استثنى الناظم لأبي عمرو الواو من أو واللام من قُلِ فقرأ بالضم فيهما حيث وقعا نحو: ﴿قُلِ ادْعُوا﴾
﴿اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ﴾، ﴿قُلِ انْظُرُوا﴾ ماذا فِي السَّماواتِ ﴿وَالْأَرْضِ﴾، ﴿أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا﴾.
فيكون أبو عمرو قد خالف أصله في أَوِ وقُلِ فقط. وقول الناظم (وبكسره لتنوينه) قال ابن ذكوان: مقولا في قوة الاستثناء من مذهب ابن ذكوان؛ لأن مذهبه ضم الساكن الأول في جملة من يضمون، فإذا كان الساكن تنوينا فإن ابن ذكوان يكسره نحو: ﴿مَحْظُورًا﴾ (٢٠) انْظُرْ، مُنِيبٍ (٣٣) ﴿ادْخُلُوها﴾. واختلف عنه في موضعين: لا ﴿يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا﴾ بالأعراف ﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ﴾ بإبراهيم. فروي عنه في كل منهما الضم والكسر. و(مقولا) بضم الميم وكسر الواو مأخوذ من أقوله مثل قوّله أي جعله قولا له، وهو منصوب على الحال.
صاحب القول: عبد الفتاح القاضيالمصدر: الوافي في شرح الشاطبية، ص ٢١٣–٢١٦