نفائـــس
الشاطبية · باب الفتح والإمالة وبين اللفظين

شرح الأبيات ٢٩٥–٢٩٧

٢٩٥وَفِي اسْمٍ فِي الاِستِفْهَامِ أَنَّى وَفِي مَتَىمَعًا وَعَسَى أَيْضًا أَمَالاَ وَقُلْ بَلَى
٢٩٦وَمَا رَسَمُوا بالْيَاءِ غَيْرَ لَدَى وَمَازَكَى وَإِلَى مِنْ بَعْدُ حَتَّى وَقُلْ عَلَى
٢٩٧وَكُلُّ ثُلاَثِيٍّ يَزِيْدُ فَإِنَّهُمُمَالٌ كَزَكَّاهَا وَأَنْجَى مَعَ ابْتَلَى
المعنى: أمال أيضا حمزة والكسائي كل اسم مستعمل في الاستفهام وهو لفظ أَنَّى حيث وقع في القرآن الكريم سواء اقترن بالفاء نحو: ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾. أم تجرد منها نحو: ﴿أَنَّى لَكِ﴾ هذا ولفظ مَتى حيث وقع في القرآن نحو: مَتى هذَا ﴿الْوَعْدُ﴾. وإنما أميل هذا اللفظ لأنه لو سمى به وثنى لقيل ميتان. ولفظ عَسى إذ لو نسبت إلى نفسك لقلت عسيت وإفراده بالذكر مع اندراجه في ذوات الياء متابعة للإمام الداني في التيسير، أو للفرق بينه وبين الأفعال الأخرى نحو: أتي، أبي، هدى؛ لأنه غير متصرف، أو للرد على من قال إن هذا اللفظ حرف. ويظهر لى- والله أعلم- أن السبب في إمالة أَنَّى مَتى بَلى: رسمها بالياء في المصاحف؛ لأن الألف في الجميع مجهولة الأصل. ومثال عَسى عَسى ﴿رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ ومثال بلي بَلى ﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ وأمال حمزة والكسائي أيضا جميع الألفات المتطرفة المجهول أصلها، أو المنقلبة عن واو ورسمت في المصاحف بالياء. فالمراد بالمرسوم بالياء في المصاحف خصوص الألفات المجهولة الأصل أو المنقلبة عن واو، وليس المراد ما يشمل الألفات المنقلبة عن ياء التى رسمت ياء في المصاحف فإن هذه الألفات سبق حكمها أول الباب. فمن الألفات المجهولة الأصل المرسومة ياء في المصاحف: ألف أَنَّى التي للاستفهام وألف مَتى وألف بَلى. ومن الألفات المنقلبة عن واو ورسمت ياء في المصاحف: ألف ﴿الْقَوِيُّ﴾ ﴿وَالضُّحى﴾ سَجى ضُحًى ضُحاها دَحاها تَلاها طَحاها. ثم استثنى الناظم خمس كلمات فلا تمال ألفها مع كونها مرسومة ياء في المصاحف وهي: ﴿لَدَى الْحَناجِرِ﴾ في غافر وهذه الكلمة اسم وقد رسمت بالياء في أكثر المصاحف ورسمت في بعضها بالألف. ولم يعلم أصل هذه الألف فامتنعت إمالتها. وأما لدا الباب في يوسف؛ فمرسوم ألفا في جميع المصاحف، وزكي وهو فعل وذلك في قوله تعالى ما زَكى ﴿مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ في سورة النور فهو مرسوم بالياء في المصاحف ولكنه لا يمال؛ لأن ألفه منقلبة عن واو پ لأنه يقال: زكا يزكو زكوت. فمنعت الألف من الإمالة إشارة إلى أن أصلها الواو. وأما الكلمات الثلاثة الباقية فهى حروف وهي: حتى إلى على. فلا تمال ألفها؛ لأن الحروف جامدة وألفها مجهولة الأصل فلا موجب لإمالتها. ثم بين الناظم أن كل ألف وقعت ثالثة في الكلمة ولاما لها وهي منقلبة عن واو فزادت الكلمة على ثلاثة أحرف؛ فإن ألفها بسبب هذه الزيادة تكون منقلبة عن ياء فتدخلها الإمالة والزيادة تكون بتضعيف الفعل نحو: زكّى نجّى. بتشديد الكاف والجيم وبحروف المضارعة نحو: يَرْضى تُتْلى يُدْعى. وبالحروف الزائدة الدالة على التعدية أو غيرهما نحو: أنجي ﴿اعْتَدى﴾ ﴿اسْتَغْنَى﴾ ﴿اسْتَعْلى﴾ ﴿فَتَعالَى﴾ ﴿ابْتَلى﴾. وقد يجتمع في الكلمة حرف المضارعة والتضعيف نحو: يَزَّكَّى وقد يجتمع فيها الحرف الزائد والتضعيف نحو: تَزَكَّى تَجَلَّى. وقد يجتمع فيها حرف المضارعة والحرف الزائد والتضعيف نحو: ﴿يَتَزَكَّى﴾. والدليل على أن هذه الألف منقلبة عن ياء فيما ذكر أنه يقال: زكّيت نجّيت. هما يرضيان ويدعيان والآيتان تتليان. ويقال: ﴿أَنْجَيْنَا﴾ ﴿اعْتَدَيْنا﴾ استغنيت، استعليت، ابتليت، تعاليت. وهما: يزكّيان، وتزكّيا، ويتزكّيان. فتظهر الياء عند إسناد الفعل إلى ألف الاثنين، أو نون المتكلم، أو تاء الفاعل فحينئذ يصير الفعل يائيّا فتمال ألفه، ومن ذلك: أفعل في الأسماء نحو: أزكى أدنى أربي أعلى، الأدنى الأعلى؛ لأن لفظ الماضي في ذلك كله تظهر فيه الياء إذا أسندت الفعل إلى تاء الضمير. فتقول: أدنيت، أزكيت، أربيت، أعليت. قال العلامة أبو شامة: فقد بان أن الثلاثي المزيد يكون اسما نحو: أَدْنى. ويكون فعلا ماضيا نحو: (أنجى). ويكون فعلا مضارعا مبنيا للفاعل نحو: يَرْضى. وللمفعول نحو: يُدْعى ﴿فَانْتَهى﴾. قال ابن القاصح والناظم: لم يمثل للفعل المضارع ولا للاسم. فإن قيل: من أين تأخذ العموم في الفعل المضارع والاسم؟ قيل من قوله: (وكل ثلاثي يزيد فإنه ممال) فإنه يشمل الماضي والمضارع والاسم فإن تمثيله بالماضي فقط يقتضي اختصاص الحكم به! قيل: الأصل العمل بالعموم انتهى. ونستطيع أن نستخلص مما ذكر أن الألف تمال: إما لانقلابها عن الياء وإن لم ترسم ياء في المصاحف، ويعرف ذلك بوقوع الياء مكانها في أي تصريف من تصاريف الكلمة. وإما لكونها دالة على التأنيث وذلك في فعلى مثلث الفاء، وفعالى بضم الفاء وفتحها وإن لم يرسم ياء في المصاحف مثل: الْحَوايا. وإما برسمها ياء في المصاحف. وإن كانت مجهولة الأصل أو منقلبة عن واو.
صاحب القول: عبد الفتاح القاضيالمصدر: الوافي في شرح الشاطبية، ص ١٤٢–١٤٤

تصدير الفائدة صورة بهوية نفائس