اللغة: لما بين في البيت السابق حكم الهمز الساكن بين في هذا البيت حكم الهمز المتحرك الذي قبله ساكن، والساكن الذي يكون قبل الهمز المتحرك خمسة أنواع:
النوع الأول: الساكن الصحيح.
والهمز الذي بعده يكون متوسطا ومتطرفا فالمتوسط نحو شَطْأَهُ، ﴿الْقُرْآنُ﴾، ﴿الظَّمْآنُ﴾، جُزْءًا، ﴿النَّشْأَةَ﴾، ﴿يَسْأَمُونَ﴾، ﴿يَجْأَرُونَ﴾، ﴿الْأَفْئِدَةَ﴾، مَسْؤُلًا، مَذْؤُمًا.
والمتطرف نحو ﴿الْخَبْءَ﴾، ﴿الْمَرْءِ﴾ سواء كان مرفوعا أم مجرورا، ملء، دفء.
النوع الثاني: حرفا اللين، وأعني بهما الواو الأصلية الساكنة المفتوح ما قبلها، والياء الأصلية الساكنة المفتوح ما قبلها.
والهمز الذي بعد هذين الحرفين يكون متوسطا ومتطرفا، فالمتوسط نحو سَوْأَةَ، ﴿مَوْئِلًا﴾، ﴿سَوْآتِكُمْ﴾، شَيْئًا، ﴿كَهَيْئَةِ﴾، ﴿اسْتَيْأَسَ﴾. والمتطرف نحو ﴿ظَنَّ السَّوْءِ﴾، شَيْءٍ.
النوع الثالث: حرفا المد واللين؛ أعني الواو الأصلية الساكنة المضموم ما قبلها، والياء الأصلية الساكنة المكسور ما قبلها.
والهمز بعد هذين الحرفين يكون متوسطا ومتطرفا، فالمتوسط نحو السُّواى، سِيئَتْ، والمتطرف نحو ﴿الْمُسِيءُ﴾، ﴿أَنْ تَبُوءَ﴾، ﴿السُّوءَ﴾، لَتَنُوأُ، سِيءَ، وَجِيءَ.
وقد بين الناظم: حكم هذه الأنواع الثلاثة بقوله: (وحرك به ما قبله متسكنا) البيت، يعني وحرك بحركة الهمز، فالضمير يعود على الهمز وفي الكلام مضاف مقدر أي بحركة الهمز، ولا بدّ من تقدير هذا المضاف؛ إذا المعنى لا يستقيم بدونه؛ لأن الحرف الساكن لا يحرك بنفس الهمز وإنما يحرك بحركته.
والمعنى: إذا كان الهمز متحركا وقبله حرف ساكن، فألق حركة الهمز على الحرف الساكن قبله وأسقط الهمز حتى يرجع اللفظ أسهل.
وحاصل المعنى بإيضاح:
وحرك بحركة الهمز الحرف الذي قبله حال كون هذا الحرف ساكنا؛ أي انقل حركة الهمز إلى الحرف الساكن قبله واحذف الهمز؛ ليكون اللفظ أيسر في النطق على القارئ مما كان عليه قبل النقل وحينئذ يتحرك الحرف الساكن بحركة الهمز، فيكون مفتوحا إذا كان الهمز مفتوحا، ويكون مكسورا إذا كان الهمز مكسورا، ويكون مضموما إذا كان الهمز مضموما، وقد تقدمت الأمثلة.
ومما يجب أن تتنبه له: أنك إذا نقلت حركة الهمز المتطرف إلى الحرف الساكن قبله وحذفت الهمز في نحو: المرء، ملء، دفء. صار الحرف الذي نقلت إليه حركة الهمز متطرفا فتسكنه للوقف، وحينئذ يكون السكون الموجود عند الوقف عارضا غير السكون الموجود في الوصل، والفرق بينهما: أن الذي كان في الوصل هو الذي بنيت عليه الكلمة، فيكون أصليّا، والذي في الوقف: هو الذي عدل عن الحركة إليه، فيكون عارضا جيء به لأجل الوقف؛ إذ لا يجوز الوقف بالحركة. ولهذا يجوز الروم والإشمام في المرفوع، ويجوز الروم في المجرور؛ باعتبار أن الحرف الذي قبل الهمز أصبح متحركا وإنما سكن لأجل الوقف.
وأما النوعان الرابع والخامس: فسيذكر الناظم حكمهما في الأبيات الآتية. وقد يقال: إن كلمة (ما) في قول الناظم (وحرك به ما قبله متسكنا) من صيغ العموم فتتناول الأنواع الخمسة للهمز المتحرك الذي قبله ساكن، فما الذي يدلنا على أن الناظم أراد بقوله: (ما قبله متسكنا) هذه الأنواع الثلاثة فحسب؟
ونقول: إن الذي دلنا على ذلك استثناؤه النوعين: الرابع والخامس في قوله: (سوى أنه من بعد ما ألف جرى) الأبيات الثلاثة، والله تعالى أعلم.
صاحب القول: عبد الفتاح القاضيالمصدر: الوافي في شرح الشاطبية، ص ١١٢–١١٣