المعنى: يعني: أن المشار إليهم بكلمة (سما) وهم: نافع، وابن كثير، وأبو عمرو يسهلون الهمزة الأخرى من الهمزتين المختلفتين في الحركة والمراد من التسهيل هنا مطلق التغيير الشامل لبين بين، والإبدال ياء أو واوا، والهمزتان المختلفتان في الحركة خمسة أنواع:
الأول: أن تكون الأولى مفتوحة والثانية مكسورة نحو: تَفِيءَ إِلى، ﴿وَجاءَ إِخْوَةُ﴾، ﴿شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ﴾، ﴿وَالْبَغْضاءَ﴾ إِلى ﴿يَوْمِ الْقِيامَةِ﴾.
الثاني: أن تكون الأولى مفتوحة والثانية مضمومة، ولم يقع من هذا النوع في القرآن إلا كُلَّ ما جاءَ ﴿أُمَّةً رَسُولُها﴾ بالمؤمنين.
الثالث: أن تكون الأولى مضمومة والثانية مفتوحة نحو: ﴿لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ﴾، ﴿الْمَلَأُ أَفْتُونِي﴾، ﴿سُوءُ أَعْمالِهِمْ﴾، وَيا ﴿سَماءُ أَقْلِعِي﴾.
الرابع: أن تكون الأولى مكسورة والثانية مفتوحة نحو: ﴿مِنَ السَّماءِ آيَةً﴾، ﴿مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ أَوْ﴾، ﴿هؤُلاءِ أَهْدى﴾، لَوْ كانَ ﴿هؤُلاءِ آلِهَةً﴾.
الخامس: أن تكون الأولى مضمومة والثانية مكسورة، نحو: وَما ﴿مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾، إِنَّ، ﴿يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ إِلى، يا ﴿أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي﴾، ﴿أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ﴾.
فقول الناظم: (تفيء إلى) مثال للنوع الأول. وقوله: (مع جاء أمة) مثال للثاني، وليس في القرآن غيره كما سبق. وقوله: (نشاء أصبنا) مثال للثالث. وقوله: (والسماء أو ائتنا) مثال للرابع، وقوله: (يشاء إلى) مثال للخامس، ثم ذكر نوع التسهيل في النوعين الأولين فقال: (فنوعان قل كاليا وكالواو سهلا) يعني: أن الهمزة الثانية المكسورة في النوع الأول تسهل كالياء، أي تكون بين الهمزة والياء، وإن الهمزة الثانية المضمومة في النوع الثاني تسهل كالواو أي تكون بين الهمزة والواو. ثم بين نوع التسهيل في النوعين الثالث، والرابع فقال:
(ونوعان منها أبدلا) أي الواو والياء أي من همزتيهما؛ أي جعلتا بدلا من همزتيهما، فالهمزة الثانية المفتوحة في نحو: ﴿نَشاءُ أَصَبْناهُمْ﴾ أبدلت واوا، والهمزة الثانية المفتوحة في نحو: ﴿مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا﴾ أبدلت ياء، فالضمير في (أبدل) وهو ألف التثنية يعود على الواو، والياء المذكورين في قوله: (كالياء والواو)، والضمير في (منها) يعود على الأنواع. ثم بين كيفية تغيير النوع الخامس فذكر فيه وجهين: الأول: أن تسهل همزته بينها وبين الياء، وهذا معنى قوله: (كالياء)، ونبه بقوله: (أقيس معدلا) على أن هذا الوجه أكثر ملاءمة للقياس من الوجه الآخر، والوجه الثاني: أن تبدل الهمزة الثانية المكسورة واوا محضة، وهذا الوجه هو الذي قال فيه الناظم: (وعن أكثر القراء تبدل واوها) وقوله: (واوها) مفعول ثان لتبدل والضمير في (واوها) يعود على الهمزة أو على الحروف. ومعنى قوله: (وكل بهمز الكل يبد مفصلا) أن كل من سهل الهمزة الثانية من المتفقين أو المختلفين فإنما يسهلها في حال وصلها بالكلمة قبلها التي فيها الهمزة الأولى؛ لأن الهمزتين حينئذ متصلتان. فأما إذا وقف على الكلمة الأولى التي في آخرها الهمزة الأولى وابتدأ بالكلمة الثانية التي في أولها الهمزة الثانية، فلا مناص من تحقيق الهمزة الثانية؛ لانفصال الهمزتين في هذه الحال، حتى لو أراد القارئ تسهيل الثانية المبتدأ بها لما أمكنه ذلك؛ لأن الهمزة المسهلة قريبة من الساكنة.
والساكن لا يمكن الابتداء به. وقوله: (مفصلا) أي: مبينا الهمزة محققا لها.
والخلاصة: أن تسهيل الهمزة الثانية أو إبدالها من الهمزتين المتفقتين أو المختلفتين لا يكون إلا في حال وصلها بالأولى، فإذا وقف على الأولى وابتدئ بالثانية فلا بد من تحقيقها؛ لأن التسهيل أو الإبدال إنّما حصل لثقل اجتماع الهمزتين، وقد زال بانفصال كل واحدة عن الأخرى حين الوقف على الأولى والبدء بالثانية، ومما ينبغي التنبه له أمران:
الأول: أن كل من يغير في الهمزة الأولى من المتفقتين سواء كان التغيير بالتسهيل أم بالحذف ليس له في الثانية إلا التحقيق، وكل من يغير في الثانية من المتفقتين سواء كان التغيير بالتسهيل أم بالإبدال ليس له في الأولى إلا التحقيق، فليس من القراء من يغير الهمزتين معا.
الثاني: اتفق القراء السبعة على تحقيق الهمزة الأولى من المختلفتين واختلافهم إنما هو في الثانية على الوجه الذي علمته.
صاحب القول: عبد الفتاح القاضيالمصدر: الوافي في شرح الشاطبية، ص ٩٥–٩٧