المعنى: لما ذكر في الأبيات السابقة حكم حرف المد الواقع قبل الهمز ذكر في هذه الأبيات حكمه إذا وقع بعد الهمز فقال: وما بعد همز إلخ. يعني: وحرف المد الذي وقع بعد همز ثابت أو متغير فقصر أي فهو ذو قصر، أو فهو مقصور لجميع القراء ورش وغيره كما هو مقتضى الإطلاق، والهمز الثابت: هو الهمز المحقق الذي لم يطرأ عليه تغير، والمغير: هو الذي لحقه التغير، إما بنقل حركته إلى ما قبله نحو الآخرة، وإما بتسهيله بين بين نحو جاءَ آلَ، وإما بإبداله ياء نحو لَوْ كانَ ﴿هؤُلاءِ آلِهَةً﴾ ما ﴿وَرَدُوها﴾. وقد يروى حرف المد الواقع بعد همز محقق أو مغير ممدودا مدّا طويلا مشبعا لورش. ووسطه جماعة من أهل الأداء عن ورش.
والحاصل: أن حرف المد إذا وقع بعد همز سواء كان هذا الهمز محققا أم مغيرا بأي نوع من أنواع التغير فحكمه أنه يقصر لجميع القراء يستوي في ذلك ورش وغيره، وروى جماعة عن ورش مده مدّا طويلا بمقدار ست حركات، وروى آخرون عنه توسطه بمقدار أربع حركات، فيكون لورش فيه ثلاثة أوجه: القصر والتوسط والمد.
ثم مثل الناظم لهذا النوع من المد بأربعة أمثلة، اثنين لما وقع بعد همز محقق وهما: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾، ﴿وَآتَى الْمالَ﴾، ونحوهما ﴿وَنَأى بِجانِبِهِ﴾، ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ﴾، ﴿أُوتُوا الْكِتابَ﴾، يَؤُسًا، رَؤُفٌ. مُتَّكِؤُنَ، ﴿مُتَّكِئِينَ﴾.
واثنين لما وقع بعد همز مغير وهما: ﴿هؤُلاءِ آلِهَةً﴾، وهذا قد وقع بعد همز مغير بالإبدال ومثله: ﴿مِنَ السَّماءِ آيَةً﴾، ﴿يُنادِي لِلْإِيمانِ﴾. وهذا وقع بعد همز مغير بالنقل ومثله ﴿الْآخِرَةُ﴾، ﴿مَنْ آمَنَ﴾، ﴿ابْنَيْ آدَمَ﴾ ﴿أَلْفَوْا آباءَهُمْ﴾، قُلْ إِي وَرَبِّي، ﴿قَدْ أُوتِيتَ﴾، والناظم في هذه الأمثلة ذكر حرف المد إذا كان ألفا أو ياء ولم يذكر ما يكون واوا، ومثاله: ﴿وَأُوحِيَ﴾، ﴿أُوتِيتُمْ﴾. وكذلك لم يذكر حرف المد الواقع بعد همز مغير بالتسهيل ومثاله: ﴿آمَنْتُمْ﴾، ﴿أَآلِهَتُنا﴾ جاءَ آلَ لُوطٍ.
ثم استثنى الناظم من حرف المد الواقع بعد الهمز المحقق أو المحقق أو المغير الذي تجوز فيه الأوجه الثلاثة لورش كلمتين مخصوصين وقاعدتين عامتين، فأما الكلمتان: ف ﴿إِسْرائِيلَ﴾ حيث وقعت في القرآن الكريم، ويُؤاخِذُ حيث وقعت وكيف تصرفت نحو لا ﴿تُؤاخِذْنا﴾، لا ﴿يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ﴾، ﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ﴾. فليس في ياء ﴿إِسْرائِيلَ﴾ وألف ﴿يُؤاخِذُ﴾ إلا القصر كسائر القراء، وهذا مذهب جميع أهل الأداء عن ورش، غير أن قول الناظم: وبعضهم يؤاخذكم. يدل بمنطوقه على أن بعض أهل الأداء الناقلين قراءة ورش استثنى الألف من كلمة ﴿يُؤاخِذُكُمُ﴾ فلم يوسطها ولم يمدها ويدل بمفهومه على أن البعض الآخر أجراها كغيرها فأجاز فيها التوسط والمد مع أن هذه الكلمة مستثناة بالإجماع كما تقدم فكان على الإمام الشاطبي أن يحذف كلمة وبعضهم.
وأما القاعدتان فالأولى: أن يقع حرف المد بعد همز ويكون ذلك الهمز واقعا بعد ساكن صحيح متصل نحو ﴿الْقُرْآنُ﴾، ﴿الظَّمْآنُ﴾، مَسْؤُلًا، مَذْؤُمًا فلا يجوز في هذا وأمثاله لورش إلا القصر. وقوله: أو بعد ساكن، احتراز عن حرف المد الواقع بعد همز وقع هذا الهمز بعد متحرك نحو ساوى، مَآبٍ، ففيه الأوجه الثلاثة لورش. وقوله: صحيح، احتراز عن حرف المد الواقع بعد همز، هذا الهمز بعد ساكن غير صحيح وهو حرف المد نحو وَجاؤُ فاؤُ. وحرف اللين نحو (سوءات) الْمَوْؤُدَةُ ففيه الأوجه الثلاثة أيضا لورش. وقولنا: متصل، احتراز عن حرف المد الواقع بعد همز وقع هذا الهمز بعد ساكن صحيح منفصل عن الهمز بأن يكون هذا الساكن في كلمة والهمز في كلمة أخرى نحو ﴿مَنْ آمَنَ﴾، ﴿مَنْ أُوتِيَ﴾ ففيه الأوجه الثلاثة كذلك لورش. القاعدة الثانية: أن يقع حرف المد بعد همز الوصل نحو ائْذَنْ لِي، ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ﴾، ﴿اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ﴾، ﴿ائْتُوا صَفًّا﴾، ﴿ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ﴾ هذا. في حال الابتداء بهذه الكلمات، فلا يجوز لورش في حرف المد الواقع بعد همز الوصل إلا القصر؛ لأن حرف المد في ذلك عارض؛ لأنك إذا ابتدأت بهذه الكلمات اضطررت إلى الإتيان بهمزة الوصل لتتوصل بها إلى النطق بالساكن وهو الهمزة التي هي فاء الكلمة، وعندئذ يجتمع همزتان: همزة الوصل، والهمزة الساكنة التي هي فاء الكلمة.
والقاعدة: أنه إذا اجتمع همزتان في كلمة والثانية منهما ساكنة؛ فإن الثانية تبدل حرف مد من جنس حركة ما قبلها، فتبدل ياء فتكون هذه الياء بدلا من الهمزة فتكون عارضة وهمزة الوصل عارضة أيضا؛ لأنك إذا وصلت هذه الكلمات بما قبلها؛ سقطت همزة الوصل لعدم الحاجة إليها وبقيت الهمزة الساكنة التي هي فاء الكلمة، فامتنعت زيادة المد في حرف المد نظرا لعروضه، وعروض همزة الوصل قبله. وقد ترك الناظم قاعدة ثالثة مستثناة أيضا، وكان عليه أن ينبه عليها وهي: أن يقع حرف المد بعد الهمزة بدلا من التنوين نحو دُعاءً، نِداءً غُثاءً، خَطَأً، عند الوقف على هذه الكلمات؛ فلا يحوز في حرف المد في هذه الكلمات لورش إلا القصر؛ لأن حرف المد في هذه الحال عارض غير لازم، إذ لا يوجد إلا في الوقف على هذه الكلمات فقط. وأما ﴿رَأَى الْقَمَرَ﴾، تَراءَا ﴿الْجَمْعانِ﴾، تَبَوَّؤُا ﴿الدَّارَ﴾، عند الوقف على رَأى، وتَراءَا، وتَبَوَّؤُا فيجوز في حرف المد فيها الأوجه الثلاثة لورش؛ لأنه حرف مد أصلي واقع بعد همز، وذهابه عند الوصل عارض لسكون ما بعده، فحذف للتخلص من التقاء الساكنين، وأما عند الوقف؛ فيثبت على الأصل، فيجوز فيه الأوجه الثلاثة؛ لأنه يصدق عليه، والحال هذه أنه حرف مد وقع بعد همز.
ثم ذكر الناظم أن بعض أهل الأداء عن ورش استثنى كلمتين: الأولى: آلْآنَ المستفهم بها وهي في موضعين: في سورة يونس ﴿آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ﴾، ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾. فمنع التوسط والمد فيها وأوجب فيها القصر والمراد الألف الأخيرة التي بعد اللام، وأما الألف الأولى فليست من هذا الباب؛ لأن مدها لأجل السكون اللازم المقدر، ولكون هذا السكون مقدرا يجوز في هذه الألف الأولى لورش وقالون وجهان: الأول: المد المشبع اعتدادا بالأصل. والثاني: القصر اعتدادا بحركة اللام العارضة. وقولنا: المستفهم بها؛ احتراز عن آلْآنَ، الخالية من الاستفهام مثل: ﴿الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾، ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾. فقد اتفق أهل الأداء عن ورش على إجراء الأوجه الثلاثة في ألفها جريا على أصله. الكلمة الثانية: الْأُولى الواقعة بعد عادًا في قوله تعالى في سورة النجم: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ﴾ عادًا الْأُولى، فبعض أهل الأداء لم يجز في حرف المد فيها إلا القصر، والتقييد بالواقعة بعد عادًا لإخراج غيرها نحو ﴿سِيرَتَهَا﴾ الْأُولى ﴿فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى﴾. ففيهما الأوجه الثلاثة لورش. والبعض الآخر من أهل الأداء لم يستثن هاتين الكلمتين: آلْآنَ ﴿وَالْأُولى﴾ وأجرى في كل منهما الأوجه الثلاثة لورش.
وقد أشبعنا الكلام على هاتين الكلمتين: آلْآنَ عادًا الْأُولى، وذكرنا جميع أحوالهما لجميع القراء في كتابنا البدور الزاهرة فارجع إليه تجد ما يسر خاطرك ويثلج صدرك.
ثم قال الناظم: وابن غلبون طاهر إلخ. ابن غلبون هو الإمام الحجة الثبت أبو الحسن طاهر بن العلامة الإمام عبد المنعم بن غلبون. وطاهر وأبوه من علماء القراءات المبرزين فيها الذين لهم التصانيف القوية المفيدة في علوم القرآن وهما من حلب ونزلا بمصر وأقاما بها ونفع الله بعلمهما من لا يحصى كثرة وماتا بمصر، ومن مصنفات الوالد: كتاب الإرشاد، ومن تلاميذه: الإمام مكي بن أبي طالب، ومن مصنفات الابن: كتاب التذكرة، ومن تلاميذه: الإمام أبو عمرو الداني مؤلف كتاب التيسير فطاهر بن غلبون قال بقصر جميع الباب وأخذ به وأقرأ الناس به ويعني بالباب كل ما كان حرف المد فيه بعد همز ثابت أو مغير. وقوله (وقوّلا) أي وقول ورشا بذلك أي جعله هو المذهب له وجعل ما سواه غلطا ووهما. ويصح أن يكون معناه أن ابن غلبون قول أي نسب التقول والافتراء والوهم إلى من نقل التوسط والمد عن ورش في هذا النوع من المد.
صاحب القول: عبد الفتاح القاضيالمصدر: الوافي في شرح الشاطبية، ص ٧٥–٧٨