نفائـــس
الشاطبية · باب المد والقصر

شرح الأبيات ١٦٨–١٧٠

١٦٨إِذَا أَلِفٌ أَوْ يَاؤُهَا بَعْدَ كَسْرَةٍأَوِ الْوَاوُ عَنْ ضَمٍّ لَقِي الْهَمْزَ طُوِّلَا
١٦٩فَإِنْ يَنْفَصِلْ فَالْقَصْرَ بَادِرْهُ طَالِبًابِخُلْفِهِماَ يُرْوِيكَ دَرًّا وَمُخْضَلَا
١٧٠كَجِئَ وَعَنْ سُوءٍ وَشَاءَ اتِّصَالُهُوَمَفْصُولُهُ في أُمِّهَا أَمْرُهُ إِلَى
المد لغة: الزيادة، واصطلاحا له إطلاقان: الأول: إطالة الصوت بحرف من حروف المد واللين الثلاثة، أو بحرف من حرفي اللين. إذا لقي حرف المد أو حرف اللين همزا أو ساكنا، وحروف المد الثلاثة هي: الألف ولا تكون إلا ساكنة ولا يكون ما قبلها إلا مفتوحة، والواو الساكنة المضمومة ما قبلها، والياء الساكنة المكسور ما قبلها، فالواو لا تكون حرف مد ولين إلا بشرطين، أن تكون ساكنة، وأن تكون حركة ما قبلها من جنسها أي ضمة، فإذا كانت متحركة أو كانت ساكنة وحركة ما قبلها ليست من جنسها بأن كانت فتحة؛ فلا تكون حرف مد ولين، وكذلك الياء لا تكون حرف مد ولين إلا بشرطين: أن تكون ساكنة، وأن تكون حركة ما قبلها من جنسها- أي كسرة- فإن كانت متحركة، أو كانت ساكنة وحركة ما قبلها ليست من جنسها بأن كانت فتحة فلا تكون حرف مد ولين، وحرفا اللين هما الواو الساكنة المفتوح ما قبلها والياء الساكنة المفتوح ما قبلها. ولا يتحقق هذا المد إلا إذا وجد سببه، وسببه إما همز أو سكون، والهمز إما أن يوجد بعد حرف من حروف المد واللين الثلاثة، وإما أن يوجد قبله. فإن وجد بعده واجتمع معه في كلمة واحدة سمّي المد حينئذ مدّا متصلا نحو: جاءَ، قُرُوءٍ، يُضِيءُ. وإن وجد بعده وكان حرف المد في آخر الكلمة والهمز في أول الكلمة التالية سمّي المد حينئذ: مدّا منفصلا نحو: يا أَيُّهَا، قُوا ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾، فِي ﴿أَنْفُسِكُمْ﴾، وإن وجد الهمز قبل حرف من حروف المد سمّي المد: مد بدل نحو: ﴿آمَنُوا﴾ ﴿أُوتُوا﴾، إِيمانًا، وإن وجد الهمز بعد حرف من حرفي اللين سمّي المد حينئذ: مد لين نحو سَوْأَةَ، شَيْئًا، وإن وجد بعد حرف المد السكون فإما أن يكون ثابتا وصلا ووقفا، وإما أن يكون ثابتا وقفا فقط، فإن كان ثابتا في الحالين سمّي المد مدّا لازما نحو: ﴿الضَّالِّينَ﴾ ﴿أَتُحاجُّونِّي﴾ وإن كان ثابتا في حال الوقف فقط سمّي مدا عارضا للسكون نحو: مَآبٍ، ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿نَسْتَعِينُ﴾. الإطلاق الثاني: للمد: وهو إثبات حرف مد في الكلمة من غير إطالة الصوت به كقول الناظم في سورة الأنعام: ودارست حق مده، وقوله في الشعراء: وفي حاذرون المد، فالمراد: إثبات حرف المد وهو الألف بعد الدال في الأول وبعد الحاء في الثاني من غير إطالة الصوت به. أما القصر فهو في اللغة: الحبس. وفي الاصطلاح: له معنيان أيضا: الأول: ترك إطالة الصوت وإثبات حرف المد واللين أو حرف اللين من غير زيادة عليهما، كقوله: فإن ينفصل فالقصر بادره طالبا، وقوله: وما بعد همز ثابت أو مغير فقصر، الإطلاق الثاني: حذف حرف المد من الكلمة كقوله: وفي عاقدت قصر ثوى، وقوله: وقل لابثين القصر فاش، فإن المراد حذف حرف المد وهو الألف بعد العين في الأول، واللام في الثاني. وقد بين الناظم في البيت الأول أنه إذا لقيت الألف- وتقدم أنها لا تكون إلا حرف مد ولين؛ لأنها لا تكون إلا ساكنة ولا يكون ما قبلها إلا مفتوحا، أو الياء الساكنة الواقعة بعد كسرة أو الواو الساكنة الواقعة بعد ضمة- إذا لقى حرف مد من هذه الأحرف الثلاثة همزا؛ طوّل حرف المد، أي زيد في مده على ما فيه من المد الأصلي لجميع القراء وعلم هذا من الإطلاق. ومراده بهذا البيت المد المتصل؛ لأنه ذكر حكم المد المنفصل في البيت الآتي وهو قوله: فإن ينفصل إلخ. وقد اتفق القراء على مد المتصل زيادة على ما فيه من المد الأصلي ولكنهم متفاوتون في هذه الزيادة وإن كانت عبارة الناظم مطلقة تحتمل التسوية كما تحتمل التفاوت. وقد نقل عنه تلميذه العلامة السخاوي أنه كان يقرئ في هذا النوع بمرتبتين: طولى لورش وحمزة وتقدر بثلاث ألفات؛ أي بست حركات. ووسطى: وتقدر بألفين؛ أي بأربع حركات وهي لباقي القراء. وقول الناظم: أو ياؤها، الضمير يعود على الألف؛ لأنها شريكتها في أن كلّا حرف مد، وقيد الناظم الياء بكسر ما قبلها، والواو بضم ما قبلها، ولم يقيدهما بالسكون، اعتمادا على أن السكون يفهم من الأمثلة التي ذكرها بعد. وقول الناظم: فإن ينفصل إلخ، معناه: أن ينفصل حرف المد واللين عن الهمز بأن يكون حرف المد واللين في آخر كلمة، والهمز في أول كلمة تالية لها، فقصر حرف المد بمقدار حركتين؛ أي الاقتصار على ما في حرف المد من المد الطبيعي الذي فيه كما إذا لم يصادف همزا ثابتا عن المرموز لها بالباء والطاء وهما: قالون والدوري عن أبي عمرو بخلاف عنهما، وثابت أيضا عن المرموز لهما بالياء والدال وهما: السوسي وابن كثير بلا خلاف عنهما، فيكون للسوسي وابن كثير في المنفصل القصر قولا واحدا، ويكون لقالون والدوري فيه وجهان: القصر والتوسط بمقدار أربع حركات، ويكون لباقي القراء غير ورش وحمزة التوسط بمقدار أربع حركات، ويكون لورش وحمزة فيه المد بمقدار ست حركات كالمتصل. وحاصل الكلام في المد المنفصل: أنّ للسوسي وابن كثير فيه القصر حركتين قولا واحدا، وأن لقالون والدوري فيه القصر والتوسط، وأن لباقي القراء غير ورش وحمزة التوسط أربع حركات، وأن لورش وحمزة المد ست حركات. وحاصل الكلام في المد المتصل: أن ورشا وحمزة يمدانه مدّا مشبعا بمقدار ست حركات، وأن باقي القراء يمدونه مدّا متوسطا بمقدار أربع حركات، هذا هو المعتمد المقروء به المعول عليه في المدين للقراء السبعة، وهو الذي كان يقرئ به الإمام الشاطبي كما نقله عنه السخاوي، كما سبق. ثم ذكر الناظم أمثلة للمتصل وأخرى للمنفصل، فمثل للمتصل بقول: كجيء، في قوله تعالى: ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ﴾، ومثله ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾ وبقوله ﴿عَنْ سُوءٍ﴾ في قوله تعالى: ﴿أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ﴾ ومثله ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ وبقوله شاءَ ومثله جاءَ ومثل للمنفصل بقوله فِي أُمِّها، ومثله ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾، وبقوله ﴿وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ ونبه الناظم بهذا المثال على أن واو الصلة التي لم ترسم في المصاحف حكمها حكم غيرها من الواوات التي رسمت في المصاحف نحو ﴿قُولُوا آمَنَّا﴾، قُوا ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾، ومثل: ﴿وَأَمْرُهُ إِلَى﴾ في الحكم ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾، ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾. عند من يصل الميم كما ﴿بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ ونحوها مما لم ترسم فيه الياء في المصاحف حكمها حكم فِي أُمِّها مما رست فيه الياء في المصاحف ففي كل منها مد منفصل، وأنت ترى من الأمثلة التي ذكرها الناظم أنه أتى بأنواع المد المتصل الثلاثة، أعنى الذي حرف المد فيه ياء وواو وألف، وأتى للمد المنفصل بنوعين من الأمثلة: النوع الأول: ما حرف المد فيه ياء، والثاني: ما حرف المد فيه واو، ولم يساعده النظم على الإتيان بما حرف المد فيه ألف، ومثاله لا ﴿إِلهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ لا أَعْبُدُ ما ﴿تَعْبُدُونَ﴾. والضمير في قوله (اتصاله) وفي قوله (ومفصوله) بحرف المد، و(الدر) في كلام الناظم بفتح الدال اللبن، و(المخضل) النبات الرطب الناعم.
صاحب القول: عبد الفتاح القاضيالمصدر: الوافي في شرح الشاطبية، ص ٧٢–٧٥

تصدير الفائدة صورة بهوية نفائس