قرئ: بإثبات البسملة بين السورتين لما ورد في حديث سعيد بن جبير كان عليه الصلاة والسلام لا يعلم انقضاء السورة حتى تنزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم. ولأنها ثابتة في خط المصحف، ولما روى عن عائشة - رضى الله عنها - أنها قالت «اقرؤوا ما في المصحف» ولقول بعض العلماء أنها آية في أول كل سورة إلا «براءة» وهو أحد أقوال الشافعي - رضى الله عنه -.
وقرئ: بوصل السورة بالسورة من غير بسملة وذلك لبيان ما في آخر السورة من إعراب وبناء وما في أول السورة التالية من همزات قطع أو وصل أو نحو ذلك، ولأنها لما كانت عنده ليست بآية من كل سورة وعند جماعة الفقهاء كذلك أسقطها في وصله السورة بالسورة لئلا يظن ظان أنها آية من كل سورة، فالقرآن عنده كالسورة الواحدة، مكما لا يفصل بين بعض السورة وبعضها بالتسمية فكذلك لا يفصل بها بين السورة والسورة، وأما إثباتها في المصحف فإنما ذلك ليعلم فراغ سورة وابتداء أخرى.
ووجه منفصل بالبسملة بين الأربع الزهر أي: بين المدثر، والقيامة، وبين الانفطار، والمطففين، وبين الفجر، ولا أقسم بهذا البلد، وبين العصر، والهمزة. ومذهبه إسقاطها بين باقي السور.
قال: إن وصل السورة بالسورة من هذه الأربع فيه قبح في اللفظ فكره ذلك إجلالا للقرآن وتعظيما لشأنه ألا ترى أنه يقول: ﴿هو أهل التقوى وأهل المغفرة﴾ لا أقسم فيقع لفظ التقوى عقب لفظ المغفرة وذلك قبيح في السمع، وبقول: ﴿والأمر يومئذ لله﴾ ﴿ويل للمطففين﴾ فيقع لفظ الويل عقب لفظ الجلالة، وكذلك السور الأخر.. فاختير لمن يفصل بالسكت بين كل سورتين أن يفصل بين هذه السور بالبسملة ولمن لا يفصل بالسكت بين كل سورتين أن يفصل بين هذه السور بالسكت.. وحجتهم في ذلك ما روى أن رجلين أتيا النبي ﷺ فتشهد أحدهما وقال: من يطع الله جل وعز ورسوله ﷺ فقد رشد ومن يعصهما ووقف على يعصهما فقال له النبي ﷺ : «بئس الخطيب أنت» وذلك لقبح لفظه في وقفه إذ قرن الإيمان بالكفر في إيجاب الرشد لهما وكان حقه أن يقول: ومن يعصمها فقد غوى أو يقف على رشد ويبتدئ ومن يعصمها فقد غوى.
فانظر كيف كره النبي ﷺ قبح وقفه ولفظه وإن كان مراد الخطيب الخير و لم يقصد إلى شيء من الشر فبهذا ونحوه يرغب في معرفة حسن الوقف في كتاب الله على الكلام التام.
وأما وجه وصل آخر الأنفال بأول براءة من غير بسملة أنه قال: لما حذفت البسملة من المصحف صار أول براءة كأول عشر من السورة والتعوذ في الابتداء بها يكفي كما يفعل بالابتداء بالأعشار. وعلة حذفها في المصحف لما روى عن مالك أنه قال: إنما ترك من مضى أن يكتبوا في أول براءة ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ لأنها سقط أولها يعني نسخ، ولقول عثمان بن عفان - رضى الله عنه - براءة من سورة الأنفال وسقط بينها شيء لم نجده عند أحد يثبت فلذلك لم تكتب في أولها «بسم الله الرحمن الرحيم» يريد عثمان أنه نسخ من أولها شيء. وقال أبي بن كعب: كان رسول الله ﷺ يأمرنا في أول كل سورة (ببسم الله الرحمن الرحيم ) ولم يأمرنا في سورة براءة بشيء فلذلك ضمت إلى الأنفال ولم يكتب بينهما ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ في أول سورة براءة وقال عاصم: لم يكتب ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ أول براءة لأنها، أي: البسملة رحمة وبراءة عذاب إلى آخر ما قيل في ذلك والله أعلم.
وقرئ: بالسكت بينهما، وقيل: إنه لما ابتدأ في السورة ثم وصل السورة بالسورة أراد أن يبين بالسكت بينهما أن الأولى تمت وأنه ابتدأ بثانية وأن البسملة ليست بآية من كل سورة.
صاحب القول: محمد الصادق قمحاويالمصدر: طلائع البشر في توجيه القراءات العشر، ص ٥–٦