نفائـــس
فائدة علمية

وصف القسطلاني للإمام الشاطبي

كتب الشيخ أحمد عثمان أبو العلا: قال العلامة القسطلاني في الفتح المواهبي واصفاً الإمام الشاطبي ـ رحمه الله ـ: "كان إذا جلس إليه أحد لا يحسب أنه ضرير، بل لا يرتاب أنه يُبْصرُ، لأنه ما كان يظهر منه ما يظهر من الأعمى في الحركات، والذي أقول: إنه كان أبصر من كثير من البُصَراء" أ.هـ. وهكذا كان شيخنا الشيخ محمود فرج ـ رحمه الله ـ لقد أجمع كل من خالطه أو تعامل معه؛ أنه قد تخَلَّفتْ عنه أكثر صفات مكفوفي البصر، وحقاً: قد يرتاب من يتعامل معه في أمره فيحسب أنه مبصر. والشواهد على ذلك كثيرة جداً، أذكر أنني لما ذهبتُ إليه أول مرة لأقرأ عليه، قال لي: معاك سيارة؟ قلتُ: نعم، قال وصلني لمعهد الإمام الشاطبي، قلت له مش عارف الطريق وأنا غريب على جدة، لا أكاد أعرف إلا قليلاً من شوارعها. قال لي: أنا أوصلك! ركب الشيخ بجانبي وأول ما حط رجله في السيارة قال لي: ابقى أكّل العربية دي شوية عشان تكبر! والحق يقال لقد كانت سيارة صغيرة جداً بالنسبة لحجم صاحبها! بدأ شيخنا ـ رحمه الله ـ يصف لي الطريق بدقة يعجز عنها المبصر، يقول: بعد 200 متر هترجع من اليوتيرن وتتجه نحو شارع فلسطين، تمسك يمين وتمشي بعدها بحوالي كذا وكذا في إشارة، بعدها إشارة بعدها مستشفى سليمان فقيها، بعدها السفارة خليها على يمينك وادخل شمال، تتجه بعدها لدوار السفن، خل بالك وأنت في الدوار تدخل أول يمين، وهنا وقع ما أربك تفكيري؛ تخطيت أول يمين فقال لي شيخنا: حاسب أنت كده غلطت! ارجع تاني، قلت له في دورية شرطة، قال: الحل أن تسأل العسكري عن مستشفى الأطباء المتحدين عشان لو رجعت بظهرك في الدوار هتاخد مخالفة! وبالفعل سألت العسكري فقال: ارجع وادخل اليمين الأول، فرجعت وأوصلني الشيخ، والصورة الظاهرة أني أوصلته. غاب عن الشيخ أحد إخواننا الذين كانوا يحضرون معنا في درس الفجر سنتين، فلما حضر إلى جدة سلم على الشيخ فلما أمسك الشيخ يده قال له مباشرة: الشيخ محمد فتحي ؟ وكثيرا ما كان يدخل عليه الطالب ممسكاً بيده كتاباً فيقول له الشيخ: إيه الكتاب اللي في إيدك؟ وحدث هذا مع شقيق روحي الدكتور معاذ صفوت بل عرف اسم الكتاب! شيخنا ـ رحمه الله ـ كان يميل إلى الطول، أبيض البشرة منيراً، إذا خالفته في أمر طلبه لم يطلبه منك مرة ثانية، ولا أعلم مع طول صحبتي له أني خالفته ولو في شرب الماء البارد في عز البرد كما كان يقول ـ رضي الله عنه ـ. تعلَّم شيخنا ـ رحمه الله ـ القراءة والكتابة قبل أن يفقد بصره، لأنه ختم القرآن الكريم كاملاً ولما يفقد البصر بعد. قال الأستاذ عبدالشكور الفارح: "ومرة أخبرني الشيخ أنه يستطيع الكتابة على سبورة الفصل! فلما لاحظ تعجبي قام وأمسك بالقلم، وكتب بسرعة: "بسم الرحمن الرحيم، معهد الإمام الشاطبي يرحب بكم" أخبرني الشيخ ـ رحمه الله ـ أنه متعدد الختمات، فله ختمة في الصلوات الجهرية، وختمة في الصلوات السرية، وختمة يختمها في أوقات الانتظار، وختمة تسمى ختمة السُلَّم، وهي ختمة يختمها على سلم المسجد صعوداً ونزولاً، قال لي عنها، باقرأ ربعين وأنا طالع، وربعين وأنا نازل إلا لو واحد زي حالاتك عطلني وقعد يرغي معايا! وله ختمة في التراويح، وختم أول ما ذهب إلى جدة في التهجد ثم تركه. وليس العجب عندي في تعدد هذه الختمات، العجب أنه كان لا يخلط ختمة بأخرى، فختمة الصلوات الجهرية مثلاً يعرف أين وقف ثم يستأنف من حيث وقف، وكذا الشأن في جميع تلك الختمات، لا تختلط ختمة بأخرى. حج في سنة من السنين، ولاحظ أن الناس يضيعون الوقت في الكلام فأراد أن يفيدهم فائدة، فقال لهم: من يستطيع منكم أن يقرأ سورة البقرة في نصف ساعة؟! فقالوا جميعاً: لا نستطيع، فقال: بل تستطيعون لو أدمنتم قراءة القرآن، فطلب منهم المايك وبدأ يقرأ سورة البقرة، وبعضهم يمسك له بالساعة حتى يرى هل يستطيع أن يقرأ السورة في نصف ساعة أم لا؟ فأتمها في نصف ساعة دون خطأ أو تلعثم ـ رحمة ربي عليه ـ. فكان سيدي ـ رحمه الله ـ شأنه كله مع القرآن تلاوة وتعليماً ومدارسة ودلالة عليه. له من حلقات شروح المتون في اليوم الواحد ما يفوق خمسة مجالس إلى أن كثر الطلاب فأصبحت أقل من ذلك. وللحديث بقايا عن شيخنا ـ رضي الله عنه ـ. اللهم ارحم شيخنا الشيخ محمود فرج وارض عنه واجزه عني وعن جميع طلابه خير الجزاء واجمعنا به في جنات النعيم مع سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

تصدير الفائدة صورة بهوية نفائس

مواد ذات صلة

"ما ظننتُ أن الله تعالى خلق بشرًا يُحسِن يقرأ هذه القراءة !"

وذكر بسنده عن أبي علي الطُومَارِيّ (٢) . قال كنت أصلح (٣) القنديل في شهر رمضان، بين يَديْ أبي بكر بن مجاهد في المسجد، لصلاة التَّراويح، فخرج ليلة من ليالي العشْر الأواخر من داره، واجتاز على مسجده فلم يدخله وأنا معه وسار…

أئمة القراءات والرواة

الإمام العابد الورع حمزة بن حبيب الزيات أحد القراء العشرة

وقال (( حمزة» عن نفسه : نظرت في المصحف حتى خشيت أن يذهب بصري ، ثم قال : وكان مصحفه على هجاء مصحف \<عبدالله بن الزبير» . ولقد كان «حمزة» رحمه اللّٰه تعالى حجة في قراءة القرآن، فعن +«شعيب بن حرب» قال : سمعت 1- حمزة » يقول…

أئمة القراءات والرواة