• في ذي القعدةِ من السنة العاشرة للهجرة أُذِّن في الناس أن النبي ﷺ يريدُ الحج هذه السنة
• فَقَدِم المدينة بشرٌ كثير
كلهم يَلْتَمِسُ أن يَأتَمَّ بالنبي ﷺ
قال جابر بن عبدالله رضي الله عنه وأرضاه :
فلم يَبْقَ أحدٌ يَقْدِرُ على أن يأتيَ إلا قَدِم
وسميت هذه الحَجة باسم حجة الوداع لأن النبي ﷺ ودع الناس فيها ولم يحُجَّ بعدها
• وخرج معه ﷺ أكثر من مئةِ ألف حاج وخرج ﷺ بكل نسائه التسع رضي الله عنهن أجمعين
ثم في عَرفات وقف النبي ﷺ أمام أكثر من مئة إلف إنسان مسلم
كان كثير منهم قبل عشرين سنة يسجُدون لهُبَل ويعبُدون العزى ويُعظمون مناة الثالثة الأخرى
والآن صاروا يَهتِفون :
• لبيك اللهم لبيك ...
• ويشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله .
• وخطب فيهم ﷺ بـ خُطبةٍ عظيمة جامعة قرر فيها قواعد الإسلام وهدم فيها قواعد الشرك والجاهلية
فقال رسول ﷺ بعد أن حَمِد الله وأثنى عليه :
(أيها الناسُ اسمعوا قولي، فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبداً)
• الله أكبر كيف كان وَقْع :
• (لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا)
على قلب الصِّديق ؟
وكيف تسللت إلى نفس سعد بن أبي وقاص ؟
وما هو شعور عبدالله بن مسعود لما رأى النبي ﷺ وهو يقولها ؟
وكيف هو شعور الصحب الكرام ؟ ...
• وفي عشية عرفة نزلت على رسول الله ﷺ هذه الآية الكريمة :
﴿اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دينَكُم وَأَتمَمتُ عَلَيكُم نِعمَتي وَرَضيتُ لَكُمُ الإِسلامَ دينًا﴾
• وكان الفاصل بينها وبين سورة العلق ٢٣ سنة
فأين الشقي أبو جهل ومن كان معه من نادي قريش ؟!
ليروا جموع الحجيج على صعيد عرفات وقد جاؤوا من كل فجٍ عميق !.
وكانت هذه الآية نَعْيَ رسول ﷺ فإنها نزلت قبل موته ﷺ بنحو ثمانين يوماً .
روى الشيخان في صَحِيحَيهِمَا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه :
• أن رجلا من اليهود قال له :
يا أمير المؤمنين آية في كتابكم تقرءونوها لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا
قال : أي آية ؟
• قال : { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا }
قال عمر رضي الله عنه : قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي ﷺ وهو قائم بعرفة يوم جمعة .
• قال الشيخ ابن سعدي عليه رحمة الله في تفسيره للآية :
واليوم المشار إليه يوم عرفة
• إذ أتم الله دينه
• ونصر عبده ورسوله
• وانخذل أهل الشرك انخذالا بليغا
• بعد ما كانوا حريصين على رد المؤمنين عن دينهم
طامعين في ذلك .
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية :
• هذه أكبر نعم الله عزوجل على هذه الأمة
• حيث أكمل تعالى لهم دينهم
• فلا يحتاجون إلى دين غيره
ولا إلى نبي غير نبيهم
• ولهذا جعله الله تعالى خاتم الأنبياء وبعثه إلى الإنس والجن
فلا حلال إلا ما أحله ولا حرام إلا ما حرمه ولا دين إلا ما شرعه
• وكل شيءٍ أخبر به فهو حق وصدق ولا كذب فيه ولا خُلْفَ .
وقال الحافظ ابن رجب عليه رحمة الله :
• وإكمال الدين في ذلك اليوم حَصَلَ من وجوه :
منها : أن المسلمين لم يكونوا حَجُّوا الإسلام بعد فرض الحج قبل ذلك ولا أحد منهم
هذا قول أكثر العلماء أو كثير منهم.. فَكَمَل بذلك دينهم لاستكمالهم عمل أركان الإسلام كلها
ومنها : أن الله تعالى أعاد الحج على قواعد إبراهيم عليه السلام ونَفَى الشرك وأهله فلم يختلط بالمسلمين في ذلك الموقف منهم أحد .
وقال : وقف مطرف بن عبدالله الشخير وبكر المزني بعرفة
فقال أحدهما : اللهم! لا ترد أهل الموقف من أجلي
وقال الآخر : ما أشرفه من موقف وأرجاه لأهله لولا أني فيهم !
وقف الفضيل بعرفة والناس يدعون وهو يبكي بكاءَ الثَّكلى المحترقة قد حال البكاء بينه وبين الدعاء
فلما كادت الشمس أن تغرب رفع رأسه إلى السماء وقال :
وا سوأتاهُ منك وإن عفوت !
قال ابن المبارك : جئت إلى سفيان الثوري عشيةَ عرفة وهو جاثٍ على ركبتيه وعيناه تهمُلان
فالتفت إلي فقلت له : من أسوأ هذا الجمعِ حالاً ؟
قال الذي يظن الله لا يغفرلهم
وقال ابن رجب :
• عمَّا قليل يقف إخوانكم بعرفة في ذلك الموقف فهنيئاً لمن رُزقه
وقال :
من فاته في هذا العام القيامُ بعرفة .. فليقم لله بحقه الذي عَرَفَه
من عجز عن المبيت بمزدلفة.. فليبت عزمَه على طاعة الله وقد قَرَّبه الله وأزلفه
من لم يمكنه القيام بأرجاء الخَيف.. فليقم بحق الرجاء والخوف
من لم يقدر على نحر هديه بمنى.. فليذبح هواه هنا وقد بَلغ المُنى
من لم يصل إلى البيت لأنه منه بعيد.. فليقصد رب البيت فإنه أقرب إلى من ناداه ورجاه من حبل الوريد .
• اللهم تقبل منا إنك أنت السميع العليم وتب علينا إنك التواب الرحيم
• والحمد لله رب العالمين .