نفائـــس
فائدة علمية

هل (الرياح) للرحمة و(الريح) للعذاب؟

هل يصح أن (الرياح) في القرآن للرحمة و(الريح) للعذاب؟ قال ابن القيم: «ومن هذا الباب ذكر الرياح في القرآن جمعًا ومفردة؛ فحيث كانت في سياق الرحمة أتت مجموعةً، وحيث وقعت في سياق العذاب أتت مفردةً، سرُّ ذلك: أنَّ رياح الرحمة مختلفة الصِّفات والمهابِّ والمنافع، وإذا هاجت منها ريحٌ أنشأ لها ما يقابلها ما يكسر سَوْرتها ويصدم حِدَّتها، فينشأ من بينهما ريحٌ لطيفة تنفع الحيوان والنبات، فكل ريح منها في مقابلها ما يعدلها ويردّ سَوْرتها، فكانت في الرحمة رياحًا. وأما في العذاب: فإنها تأتي من وجهٍ واحد وصِمام واحد، لا يقوم لها شيء ولا يعارضها غيرُها، حتى تنتهي إلى حيث أُمِرَت، لا يرد سَوْرتها ولا يكسر سرَّتها، فتمتثل ما أُمِرَت به وتصيب ما أُرسلت إليه. ولهذا وصف -سبحانه- الريحَ التي أرسلها على عادٍ بأنها عقيم، فقال تعالى: {إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ}، وهي التي لا تُلْقح ولا خير فيها، والتي تُعْقِم ما مَرَّت عليه. ثم تأمل كيف اطرد هذا إلا في قوله تعالى في سورة يونس: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ}. فذكر ريح الرحمة الطيبة بلفظ الإفراد؛ لأن تمام الرحمة هناك إنما تحصل بوحدة الريح لا باختلافها، فإن السفينة لا تسير إلا يريحٍ واحدة من وجه واحد تسيرها، فإذا اختلفت عليها الرياح وتصادمت وتقابلت؛ فهو سبب الهلاك، فالمطلوب هناك ريح واحدة لا رياح، وأكَّدَ هذا المعنى بوصفها بالطِّيْب= دفعًا لتوهُّمِ أن تكون ريحًا عاصفة، بل هي مما يُفرح بها لِطِيْبها. فلَينزِّه الفَطنُ بصيرَتَه في هذه الرياض المونقة المعجبة، التي ترقص القلوب لها فرحًا، ويغتِذي بها عن الطعام والشراب، فالحمد لله الفتَّاح العليم. فمثل هذا الفصل يُعَض عليه بالنواجذ، وتُثْنى عليه الخناصر، فإنه يشرف بك على أسرار، وعجائب تجتنيها من كلام الله، في الله الموفق للصواب». اهـ من «بدائع الفوائد» ٢٠٧/١. ونحوه في «مفتاح دار السعادة» ٥٧٣/٢. وذكره أمم غيره من أهل العلم قديما وحديثا ! لكن هذا التقرير فيه نظر! فابن القيم وأهل الشام في زمانه كانوا على رواية الدوري عن أبي عمرو (١) وهذا الاستقراء الذي ادعاه بناء على ذلك. لكن فيه نظر، ففي قراءة أبي عمرو -وغيره أيضا- جاءت (الريح) مفردة في الخير في تسخيرها لسليمان بالإفراد في: سورة الأنبياء (ولسليمان الريح) وكذلك في سبأ وص. وأيضا جاءت مفردة في سورة الشورى: (إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره). أما في غير قراءة أبي عمرو= فقد جاءت مواضع كثيرة بالإفراد هي بالجمع في قراءة أبي عمرو. منها: آية البقرة: (وتصريف الريح والسحاب) في قراءة حمزة والكسائي. وفي الأعراف: (وهو الذي يرسل الريح) في قراءة ابن كثير وحمزة والكسائي. وفي الحجر: (وأرسلنا الريح) في قراءة حمزة. وفي الكهف: (فأصبح هشيما تذروه الريح) في قراءة حمزة والكسائي. وفي الفرقان: (وهو الذي أرسل الريح) في قراءة ابن كثير. وفي النمل: (ومن يرسل الريح) في قراءة ابن كثير وحمزة والكسائي. وفي الروم: (ومن آياته أن يرسل الريح) في قراءة ابن كثير وحمزة والكسائي. وفي الروم: (الله الذي يرسل الريح) في قراءة ابن كثير وحمزة والكسائي. وفي فاطر (الله الذي أرسل الريح) في قراءة ابن كثير وحمزة والكسائي. وفي الجاثية (وتصريف الريح) في قراءة وحمزة والكسائي. فقد جاءت (مفردة) في (الخير) في هذا المواضع أيضا، وعليه، فهذا الاستقراء وما بني عليه من التقرير= لا يصح. (١) قال ابن الجزري في «غاية النهاية» ٢٩٢/١: «فالقراءة التي عليها الناس اليوم بالشام والحجاز واليمن ومصر= هي قراءة أبي عمرو، فلا تكاد تجد أحدًا يلقن القرآن إلا على حرفه، خاصة في الفرش، وقد يخطئون في الأصول. ولقد كانت الشام تقرأ بحرف ابن عامر إلى حدود الخمسمائة= فتركوا ذلك لأن شخصًا قدم من أهل العراق، وكان يلقن الناس بالجامع الأموي على قراءة أبي عمرو، فاجتمع عليه خلق، واشتهرت هذه القراءة عنه، أقام سنين كذا بلغني، وإلا فما أعلم السبب في أعراض أهل الشام عن قراءة ابن عامر، وأخذهم بقراءة أبي عمرو». ومخطوطات كتبه وكتب شيوخه وأقرانه شاهدة بذلك أيضا.
المصدر: قناة عبدالرحمن السديس

تصدير الفائدة صورة بهوية نفائس