نفائـــس
فائدة علمية

مقارئ الشيخ عامر السيد عثمان وأثرها

أما أبقى أثر للشيخ وأخلده وأرجحه في موازينه إن شاء الله تعالى، فهو تلك المقارئ التي جلس فيها جلوساً عاماً للناس، وقد شغلت هذه المقارئ أيامه كلها، وأشهر هذه المقارئ مقرأة الإمام الشافعي يوم الجمعة، وقد أسندت إليه مشيختها عام 1947 م وكان عدد الذين يحضرونها من القراء الرسميين أو المعتمدين من وزارة الأوقاف المصرية محدوداً جداً بجانب مختلف طوائف الناس التي كانت تحضر تلك المقرأة وغيرها من المقارئ، فكنت ترى الطبيب والمهندس والضابط والمحامي والموظف والتاجر والحرفي، والفتى الصغير، والشاب اليافع، والشيخ الفاني، مختلف الأعمار والمهن، يتحلقون حول الشيخ؛ يقرأون ويصحح، عيونهم مشدودة إلى شفتيه، وهو يروَّضهم على النطق الصحيح، يصبر على الضعيف حتى يقوى، ويرفُق بالمتعثر حتى يستقيم، لا يسأم ولا يمل، ولا زلت أذكره - رحمه الله - وهو يروَّض بعض إخواننا على ترقيق اللام من قوله تعالى: {رب إنهن أضللن} [إبراهيم: 36]، وكان عسراً على هذا الأخ أن يرقق اللام بعد الضاد، فكان شيخنا يقرأ أمامه (أضللن) على مقطعين هكذا: (أضْ) (لَلْن) ويكرر المقطعين منفردين ثم يقرأهما معاً حتى يخلص له الترقيق المراد. وكذلك لا زلت أذكره وهو يروَّضنا على الخروج من التفخيم إلى الترقيق وبالعكس، في قوله تعالى: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} [الأنبياء: 28]، فأنت هنا تفخم الراء وإن كان قبلها كسر؛ لأنه كسر عارض للتخلص من التقاء الساكنين، ثم ترقق التاء وتعود إلى تفخيم الضاد، وهكذا كنت تقضي العجب وأنت تنظر إلى حركة فكيه وشفتيه وجريان لسانه في إعطاء كل حرف حقه ومستحقه: من الهمس والجهر والغنة والإظهار والإخفاء والإقلاب والفك والإدغام، وغير ذلك من دقائق الصوتيات، مما لا تستطيع معامل الأصوات أن تنقله بدقة إلى الطالب لأن هذا العلم - علم الأداء - قائم على التلقي والمشافهة. ولو كان لي من الأمر شيء لأتيت بشيخ من علماء القراءات في كل قسم من أقسام اللغة العربية بجامعتنا ليعمل على تدريب الطلبة على الأداء الصحيح والنطق السليم، بجانب معامل الأصوات الحديثة. وهؤلاء المشايخ (الغلابة) لن يأخذوا من الأجر أكثر مما تستهلكه هذه المعاملة من طاقة وكهرباء، بل إني أذهب إلى أبعد من هذا في التمني: وهو أن يعين شيخ من هؤلاء القراء مشرفاً خارجيّاً مع المشرف الأكاديمي لكل رسالة علمية (ماجستير أو دكتوراه) تتصل بعلم القراءات من قريب أو بعيد. ومن تفتن شيخنا في مجال الأداء الصوتي: أنه كان يأخذنا إلى تفرقة دقيقة لطيفة، في الوقف على الراء من قوله تعالى: {فكيف كان عذابي ونذر (16)} [القمر: 16]، وقوله عزَّ وجلّ: {كذبت ثمود بالنذر (23)} [القمر: 23]، فالراء في الآية الأولى يستحسن أن يوقف عليها بترقيق لطيف يشعر بالياء المحذوفة؛ لأن أصلها (ونُذُري) بإثبات ياء الإضافة، وقرأ بها ورش بن سعيد المصري، عن نافع المدني. ومن القراء المعاصرين الذين سمعتهم يراعون ذلك الترقيق اللطيف المشايخ: محمود خليل الحصري، ومحمود حسين منصور، ومحمد صديق المنشاوي. أما الراء في الآية الثانية فيوقف عليها بالتفخيم الخالص؛ لأنها جمع نذير.
المصدر: قناة «رواء الروح» للمهندس أحمد عاطف مشهور

تصدير الفائدة صورة بهوية نفائس

مواد ذات صلة

القاضي أبو يعلى قارئًا بالقراءات العشر

من الجوانب المضيئة في سيرة شيخ الحنابلة القاضي أبي يعلى ابن الفراء (ت ٤٥٨): أنه كان ممن قرأ القرآن بالقراءات العشر .. قال ابنه في ترجمته: "إذ كان الله عز وجل قد رزقه حفظ القرآن والقراءة بالعشر". [طبقات الحنابلة ٣٨٥/٣]

القراء والمقرئون

قراءة الشيخ عامر عثمان في مرض وفاته

يقول الشيخ / محفوظ الشنقيطي عن شيخ القراء الشيخ / عامر السيد عثمان أنه فقد صوته في السنوات السبع الأخيرة من حياته ، وكان يدرس تلاميذه فلا يفصح إلا بشهيق وإيماء ، ثم مرض مرض الوفاة ، وكان طريح السرير الأبيض بالمستشفى…

القراء والمقرئون

دعاء لعلماء القراءات

اللهم يا ذا الجلال والإكرام ويا من رحمته وسعت كل شيء ويا واسع المغفرة ويا من كتب على نفسه الرحمة اللهم إنا نسألك بأنا نشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤا أحد اللهم اغفر…

القراء والمقرئون

وفاة الشيخ عبد الهادي حميتو رحمه الله

بلغني قبل قليل وفاة شيخنا، العلامة، الأستاذ الدكتور: عبد الهادي حميتو المغربي. إنا لله، وإنا إليه راجعون. اللهم أْجُرْنا في مصيبتنا، وأَخْلِف لنا خيرًا منها. اللهم اغفر لشيخنا عبد الهادي، وارفع درجته في المَهْدِيِّين…

القراء والمقرئون

سبعون سنة يقرئ القرآن! والله إنه لذهب خالص، رحمه الله رحمة واسعة

وقال أبو سَعْد الصفّار، عن جدة، عن محمد بن أبي عبد الرحمان المقرىء، كان ابن المبارك، إذا سُئِل عن أبي، قال: زَرْزَدَة . - يعني : ذهباً مَضْرُوباً خالصاً . وقال محمد بن عاصم الأصبهانيُّ : سمعتُ المقرءَ يقول : أنا ما بين…

القراء والمقرئون